من أحكام الغني في الزكاة:
(1) إذا كانت الزكاة للفقراء والمساكين، فهي لا تجوز على الأغنياء، لكن العلماء فرقوا بين الغني الذي لا تجوز الصدقة عليه، وبين الغني الذي يجب أن يؤدي الزكاة. فالثاني معروف؛ وهو الذي ملك نصابًا، وأما الغني الذي تحرم عليه الصدقة، فهو الذي عنده كفايته؛ سواء ملك نصابًا أم لا.
وبناءً على ذلك فقد يملك النصاب ويجب عليه إخراج الزكاة، لكنه في الوقت نفسه لا يكفيه ما يملكه لينفقه على نفسه وعياله، فإنه يجوز في هذه الحالة أن يأخذ من الزكاة ليسد حاجته؛ والدليل على ذلك ما ثبت في حديث قبيصة: «لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة، رجل أصابته فاقة فحلت له المسألة حتى يصـيب قوامًا من عيش، أو سدادًا من عيش..»، وهذا القوام والسداد هو الحاجة، وسـيأتي. قال الميموني رحمه الله: (ذاكرت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- فقلت: قد تكون للرجل الإبل والغنم تجب فيه الزكاة وهو فقير، ويكون له أربعون شاة، وتكون لهم الضبعة لا تكفيه، أفيُعطى من الزكاة؟ قال: نعم)[1]. وقال ابن حزم رحمه الله: (من كان له مال مما تجب فيه الصدقة، وهو لا يَقوم ما معه بعَوْلته؛ يعني بحاجته؛ لكثرة عياله أو لغلاء السعر، فهو مسكين يعطى من الصدقة المفروضة، وتؤخذ منه فيما وجبت فيه من ماله)[2]. وعن الحسن رحمه الله قال: (يعطى من الصدقة الواجبة من له الدار والخادم إذا كان محتاجًا)[3].
(2) إذا كان الرجل قادرًا على الاكتساب بما يكفيه ويكفي من يعولهم، فلا يجوز صـرف الزكاة إليه، وشـرط ذلك: أن يجد العمل الحلال الذي يتكسب به، وأن يكون هذا العمل يليق بمثله وبمروءته ومركزه الاجتماعي، وأن ينال منه كفايته وكفاية من يعولهم. وعلى ذلك؛ إذا لم يجد العمل الحلال الملائم لمثله والذي يتكسب منه بما يكفيه، حل له الأخذ من الزكاة؛ فعن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أن رجلين أخبراه، أنهما أتيا النبي ﷺ يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصـر ورآهما جلدين، فقال: «إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب»[4].
فقوله: «إن شئتما أعطيتكما»؛ لأنه لا يعلم باطن أمرهما؛ فقد يكونان قويين لكنهما غير مكتسبين، لذا وعظهما ﷺ.
قال النووي رحمه الله: (إذا لم يجد الكسوب من يستعمله حلت له الزكاة؛ لأنه عاجز)[5]. وقال أيضًا: (والمعتبر كسبٌ يليق بحاله ومروءته، وأما ما لا يليق به فهو كالمعدوم)[6]. وعلى هذا إذا تهيأ له العمل اللائق بمثله، فلا يجوز له أن يستمر في البطالة، ويحرم عليه الأخذ من الصدقة.
(3) بناء على ما تقدم فقد يكون للرجل مسكن لائق به، ليس فيه إسـراف، أو يكون للمرأة حلي تتزين بها في العادة دون ما إسـراف عن مستواها، أو يكون له عمل له دخل، أو راتب شهري، أو عقار يجمع منه أجرة، لكن لا يكفيه ذلك كله عن حاجاته وكفايته وكفاية من يعولهم في الوضع الاجتماعي الذي يليق بحاله، فيجوز أن يعطى من الزكاة. قال النووي رحمه الله في (المجموع): (إذا كان له عقار ينقص دخله عن كفايته، فهو فقير أو مسكين، فيعطى من الزكاة تمام كفايته، ولا يكلف بيعه)[7].
قال ابن حزم رحمه الله: (روينا عن الحسن أنه يعطى من الصدقة الواجبة من له الدار والخادم إذا كان محتاجًا، وعن إبراهيم نحو ذلك. وعن سعيد بن جبير: يعطى منها من له الفرس والدار والخادم. وعن مقاتل: يعطى من له العطاء من الديوان وله فرس)[8].