هل الأفضل تولي القضاء أو الأفضل تركه؟
وردت أحاديث ترغب في تولي القضاء، ووردت أحاديث أخرى تحذر من ذلك:
فمن الأحاديث المرغبة في ذلك قول النبي ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضـي بها ويعلمها»[1].
وأيضًا فقد تولاه الأنبياء -صلى الله عليهم وسلم- كما قال الله تعالى عن داود عليه السلام: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ﴾ [ص:26]، وقال تعالى: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ﴾ وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ﴾ [النساء:105].
وتولاه أكابر الصحابة وفضلاؤهم، قال الحافظ: (فقد أخرج البيهقي بسند قوي أن أبا بكر لما ولي الخلافة ولى عمر القضاء، وبسند آخر قوي أن عمر استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء، وكتب عمر إلى عماله: استعملوا صالحيكم على القضاء، واكفوهم)[2].
وقد وردت أحاديث أخرى تذم الحرص على الإمارة؛ فمن ذلك قوله ﷺ: «من جعل قاضـيا بين الناس، فقد ذبح بغير سكين»[3].
وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أُعطِيتَها من غير مسألة أُعِنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وُكِلت إليها»[4].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنِعمَت المُرضِعة، وبِئسَت الفاطمة»[5]، وقوله: «فنعمت المرضعة» يعني: في الدنيا، و«بئست الفاطمة» يعني: في الآخرة.
والجمع بين هذه الأحاديث: أن الأمر يختلف باختلاف الأحوال والمقاصد إليها، ويتعلق بذلك ما يلي:
(أ) الأصل أن الإنسان لا يحرص عليها، ولا يسعى إليها؛ للأحاديث الواردة في الذم لمن قصد ذلك وسعى إليها.
(ب) اتفق الفقهاء على أنه إذا تعين شخص للقضاء، ولم يوجد غيره؛ لزمه طلبه وقبوله، فإن امتنع عصـى؛ لأن الناس محتاجون إلى علمه وقضائه.
(جـ) فإن كان هناك عدد يصلحون لقبول القضاء، ولم يتعين على واحد منهم، فقد اختلفوا في جواز قبوله وتركه أيهما أفضل؛ فالذي ذهب إليه الجمهور من العلماء أن الترك أفضل، وذهب بعض العلماء إلى أن قبوله أفضل؛ لأن فيه اقتداء بالأنبياء.
والراجح: أنه إذا قوي عليه ووجد أعوانًا لإقامة الحق كان القبول أفضل، وإن عجز فالترك أفضل؛ قال الحافظ: (وفي الحديث الترغيب في ولاية القضاء لمن استجمع شـروطه وقوي على أعمال الحق ووجد أعوانًا؛ لما فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصـر المظلوم، وأداء الحق لمستحقيه، وكف يد الظالم، والإصلاح بين الناس؛ وكل ذلك من القربات)[6].
وقال: (وقال بعضهم: إن كان من أهل العلم وكان خاملًا بحيث لا يحصل عنه العلم، أو كان محتاجًا وللقاضـي رزق من جهة ليست بحرام استحب له، ليرجع إليه في الحكم بالحق وينتفع بعلمه، وإن كان مشهورًا فالأولى له الإقبال على العلم والفتوى)[7].