منها: يجوز الكلام قبل شـروع الإمام في الخطبة (أي حال جلوسه على المنبر)؛ وذلك لما ثبت أنهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة، وعمر جالس على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام عمر، فلم يتكلم أحد حتى يقضـي الخطبتين كلتيهما، فإذا قامت الصلاة ونزل عمر تكلَّموا[1]، ولما تقدم من حديث سلمان رضي الله عنه: «وينصت للإمام إذا تكلم»، فقيَّد الإنصات بحال الخطبة فقط، وأما قبل ذلك فلم ينص الحديث عليه.
ومنها: اختلفوا في الكلام بعد الخطبة وقبل الصلاة؛ فذهب بعضهم إلى جوازه، وذهب أبو حنيفة إلى كراهته. قال الشوكاني رحمه الله: (ومما يُرَجِّح ترك الكلام بين الخطبة والصلاة الأحاديث الواردة في الإنصات حتى تنقضـي الصلاة، كما عند النسائي بإسناد جيد من حديث سلمان بلفظ: «فينصت حتى يقضـي صلاته»، وروى أحمد بـإسناد صحيح من حديث نبيشة بلفظ: «فاستمع وأنصت حتى يقضـي الإمام جمعته وكلامه»)[2].
وأما من أجاز الكلام: فحجته ما ثبت من حديث أنس رضي الله عنه: «كان رسول الله ﷺ ينزل من المنبر يوم الجمعة، فيكلِّمه الرجل في الحاجة، فيكلِّمه، ثم يتقدَّم إلى مصلَّاه فيصلِّي»[3].
قلت: لكن ليس فيه دليل لمطلق الكلام؛ لأن الكلام هنا مع الإمام، وهو جائز.
ومنها: جواز تكليم الخطيب بعض المصلين وتكليمهم له، إذا كان هناك مصلحة، أو حاجة للكلام. قال ابن القيم رحمه الله: (وكان يقطع خطبته للحاجة تعرض، أو السؤال من أحد من أصحابه، فيجيبه، ثم يعود إلى خطبته فيتمها، وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة، ثم يعود فيتمها؛ كما نزل لأخذ الحسن والحسـين رضي الله عنهما، فأخذهما ثم رقي بهما المنبر فأتم خطبته، وكان يدعو الرجل في خطبته: تعال يا فلان، اجلس يا فلان، صل يا فلان، وكان يأمرهم بمقتضـى الحال في خطبته، فإذا رأى ذا فاقة وحاجة أمرهم بالصدقة وحضهم عليها)[4].
ومنها: اختلافهم في الكلام المرغَّب فيه؛ كنحو تشميت العاطس، ورد السلام، والصلاة على النبي ﷺ، ونحو هذا؛ فمنع منه قوم وأجازه آخرون لتعارض الأدلة.
والراجح: المنع من ذلك؛ لعموم قوله ﷺ: «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة: أنصت؛ فقد لغوت»، ومعلوم أن القائل «أنصت» آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر، ومع ذلك فهو منهي عنه، وذلك لترجيح الإنصات لموعظة الخطيب، وهكذا يقال في كل كلام مرغَّب فيه؛ كتشميت العاطس، وردِّ سلام، والصلاة على النبي ﷺ، ومما يستدل به أيضًا عموم قوله ﷺ في حديث سلمان: «وينصت إذا تكلم الإمام»، ولا شك أن كل هذا يتنافى مع الإنصات.
(11) ويحرم البيع والشراء يوم الجمعة إذا نودي للصلاة حتى تقضـى؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٩﴾ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا عز وجل الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الجمعة:9- 10].
ولكن إذا تبايع اثنان غير مفترض عليهما حضور الجمعة -كامرأتين- فبيعهما جائز، وأما إن كان أحدهما ممن يجب عليه الجمعة فالبيع حرام. قال النووى رحمه الله: (حيث حرَّمنا البيع حرمت عليه العقود، والصنائع، وكل ما فيه تشاغل عن السعي إلى الجمعة)[5]. ولكن هل عقد البيع صحيح أو غير صحيح؟ مذهب الشافعية والحنفية صحته؛ أي مع الإثم، وذهب أحمد وداود الظاهري في رواية عنه إلى أنه لا يصح.
(12) يستحب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، لما ثبت في الحديث أن رسول ﷺ قال: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين»[6].
(13) ويستحب الدعاء في ساعة الإجابة يوم الجمعة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله شـيئا؛ إلا أعطاه إياه» وقال: يقللها[7]، أي «يقلل الساعة» أي: أن وقتها قليل.
واختلف أهل العلم في تحديد هذه الساعة على أكثر من أربعين قولًا، ولكن أرجح هذه الأقوال أنها بعد العصـر، ويليه من الأقوال أنها من بداية جلوس الإمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة؛ لصحة الأحاديث الواردة في هذين الوقتين، وقد نحا ابن القيم رحمه الله منحى الجمع بين هذين القولين فقال: (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الساعة التي تذكر يوم الجمعة، ما بين صلاة العصـر إلى غروب الشمس، وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصـر لم يكلم أحدًا حتى تغرب الشمس، وهذا قول أكثر السلف، وعليه أكثر الأحاديث، ويليه القول: بأنها ساعة الصلاة، وبقية الأقوال لا دليل عليها. وعندي -القائل ابن القيم-: أن ساعة الصلاة ساعة ترجى فيها الإجابة أيضًا؛ فكلاهما ساعة إجابة، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصـر، فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر، وأما ساعة الصلاة، فتابعة للصلاة تقدمت وتأخرت؛ لأن لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضـرعهم وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيرًا في الإجابة، فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة، وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها، ويكون النبي ﷺ قد حض أمته على الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في هاتين الساعتين)[8].
(14) ويستحب الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة وليلة الجمعة؛ لقوله ﷺ: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة»[9]، من حديث أوس: «فأكثروا علي من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي»، قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت - أي بليت - قال: «إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»[10]. ومعنى «أرمت» أي: بليت.