حجم الخط:

ويتعلق بذلك مسائل:

الأولى: الحكمة من هذا النهي:

لم يأت عن النبي ﷺ في الاحاديث علة منصوص عليها للمنع من الخليطين ولكن العلماء التمسوا علل المنع، ومن ذلك قال بعضهم: العلة الإسكار وبه قال الامام النووي وغيره. وقال آخرون: العلة الإسـراف؛ وقال بها بعض الأحناف وانتصـر لها الإمامان: الطحاوي والسـرخسـي!!

وقال غيرهم: العلة سد الذريعة عن المسكر؛ وبه قال الإمامان ابن القيم والشاطبي وغيرهما. وقيل: إنما النهي تعبدي لا لعلة كما هو ظاهر الموطأ علي ما نقله الائمة ابن رشد وابن عبد البر عن الإمام مالك. والله اعلم

قال النووي: (وذهب أصحابنا وغيرهم من العلماء إلى أن سبب النهي عن الخلط أن الإسكار يسـرع إليه بسبب الخلط قبل أن يشتد، فيظن الشارب أنه لم يبلغ حد الإسكار، ويكون قد بلغه)[1].

الثانية: حكم انتباذ الخليطين:

ذهب بعض المالكية إلى تحريم الخليطين وإن لم يسكر، وهو رواية في مذهب أحمد، وإليه ذهب عطاء، وطاووس، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وابن حزم، وعامة أهل الحديث، وهو قول في مذهب الشافعي[2].

قال الإمام القرطبي: (النهي عن الخليطين ظاهر في التحريم، وهو مذهب كافة فقهاء الأمصار وجمهور العلماء ومالك في أحد قوليه)[3].

وذهب جمهور الشافعية والحنابلة إلى الكراهة، ما لم يصل إلى حد الإسكار فيحرم حينئذ.

وذهب الحنفية إلى أنه لا بأس بالخليطين مطلقًا ما لم يصل إلى حد الإسكار، واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنا ننبذ لرسول الله ﷺ فنأخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فنطرحهما، ثم نصب عليه الماء، فننبذه غدوة فيشـربه عشـية، وننبذه عشـية فيشـربها غدوة[4].

قلت: وهو حديث ضعيف لا يصح.

وعلى هذا فالراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من التحريم مطلقًا؛ سواء أسكر أو لم يسكر.

الثالثة: هل يجوز الخلط عند الشـرب؟

أي أنه انتبذ كل شـراب على حدةٍ، ثم أراد أن يأكله؛ فهل يجوز أن يجمع هذه الأشـربة فيجعلها في إناء واحد؟

ذهب بعض العلماء إلى جواز ذلك، ولكن الراجح أنه لا يجوز جمعها لا عند الانتباذ، ولا عند الشـراب، بل يجعل كل واحد منها على حدة، ويؤيد ذلك ما ثبت في (صحيح مسلم) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من شـرب منكم النبيذ فليشـربه زبيبًا فردًا، أو تمرًا فردًا، أو بسـرا فردًا»[5].

الرابعة: هل يجوز انتباذ شـيء غير المنصوص عليه في الحديث مع شـيء منصوص عليه فيه؟

معلوم أن الأحاديث ذكرت خمسة أنواع فقط، نهت فيها عن الخليطين منها، فهل يجوز إذا أضـيف لواحد منها شـيء آخر؟ كأن ينتبذ التمر مثلًا (وهو منصوص عليه)، مع التين (وهو غير منصوص عليه) فهل ذلك جائز؟

الراجح: عدم جواز ذلك أيضًا، لما ثبت في الأحاديث: و«لينبذ كل واحد منها على حدة»، ولقوله: «فليشـربه زبيبًا فردًا، أو تمرًا فردًا، أو بسـرا فردًا».

الخامسة: هل يجوز الانتباذ إذا كان الخليطان غير منصوص عليهما؟

إذا انتبذ خليطين غير منصوص عليهما؛ أي من غير الخمسة المذكورة سابقًا، كالتين مع المشمش مثلًا، فهل ذلك جائز أو لا؟

ذهب المالكية إلى المنع مطلقًا من أي خليطين؛ سواء كان منصوصًا عليها أم لا؛ لما ورد في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ «نهى عن الخليطين»[6]، هكذا مطلقًا دون أن يقيدها بما سبق، وهي روايات لا يخلو كل منها من ضعف، وهذا الرأي ارتضاه الحافظ في الفتح، وأنكر على ابن حزم تمسكه بأن المنهي عنه في المنصوص عليه فقط[7].

وذهب ابن حزم ونسبه لعمرو بن دينار؛ إلى أن النهي مخصوص بالمنصوص عليه وضعفوا الأحاديث الواردة بصـيغة الإطلاق، أو أنها محمولة على الأحاديث الأخرى المقيدة بالأصناف الخمسة فقط، على أن بعض هذه الروايات الضعيفة وصفت الخليطين بأنهما من هذه الخمسة أيضًا[8].

السادسة: حكم خلط الأشـربة:

خلط الأشربة -كاللبن والعسل، والشعير والقمح وغير ذلك- جائز ما لم يسكر، وكذلك خلط العصائر من غير ما ذكر؛ فإنه يجوز؛ لأنه لا يدخل في معنى الانتباذ المذكور.

السابعة: الآنية التي يُنتبذ فيها:

يجوز الانتباذ المذكور بشـروطه في أي إناء كان، ما لم يسكر، ما عدا آنية الذهب والفضة؛ لما ثبت من تحريم الأكل والشـرب فيها، وكذلك يحرم إذا كان من إناء أهل الكتاب إلا بعد غسله، ويحرم كذلك إذا كان الإناء من جلد ميتة غير مدبوغ.

الثامنة: إذا انتبذ الشـيء منفردًا غدوة شـربه عشـية:

ويجوز أن يؤخره إلى ثلاثة أيام، فإن تبقى منه شـيء سقاه لغيره أو أهرقه؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان ينبذ لرسول الله ﷺ في سقاء يوكى أعلاه، وله عزلاء، ينبذ غدوة فيشـربه عشاء، وينبذ عشاء فيشـربه غدوة»[9]، و«العَزْلاء»: فم السقاء. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان ينبذ للنبي ﷺ الزبيب، فيشـربه اليوم، والغد، وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثم يأمر به فيسقى الخدم أو يهراق»[10].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة