ويتفرع على هذا الأحكام الآتية:
(1) اعلم أن اللفظ الصـريح يقع به الطلاق ولو لم ينوه، هذا من حيث القضاء، وأما من حيث الفتيا فيصدق فيما بينه وبين الله على نيته.
مثال: لو قال لزوجته: أنت طالق، ثم ادَّعى أنه قصد طالق من وثاق -يعني ليست مقيدة بحبل ونحوه- فإن رفعت المرأة أمرها إلى القضاء حكمنا عليه بالطلاق، ولا يقبل في ذلك بنيته، وأما إن صدَّقته المرأة لدينه واعتبرت كلامه، قبل منه فتيا، ولا يفتى لهما بالطلاق[1].
(2) الدليل على أن كنايات الطلاق يقع بها الطلاق ما يلي[2]:
أ- أن الله تعالى ذكر الطلاق ولم يعين له لفظًا، فعلم أنه رد الناس إلى ما يتعارفونه طلاقًا، فأي لفظ جرى عرفهم به وقع به الطلاق مع النية.
ب- أن الألفاظ لا تراد لعينها، بل للدلالة على مقاصد فاعلها، فإذا تكلم بلفظ دال على معنى، وقصد به ذلك المعنى، ترتب عليه حكمه.
جـ- أن الصحابة رضي الله عنهم أوقعوا الطلاق وهم القدوة بـ: «أنت حرام»، و«أمرك بيدك»، و«اختاري»، و«وهبتك لأهلك»، و«أنت خلية»، و«قد خلوت مني»، و«أنت برية»، و«قد أبرأتك»، و«أنت مبرأة»، و«حبلك على غاربك»، و«أنت الحرج»؛ فبعضهم يجعلها ثلاثًا، وبعضهم يجعلها واحدة بائنة، وبعضهم يجعلها واحدة وهو أحق بها -يعني واحدة رجعية- وهذا ما ذهب إليه عمر رضي الله عنه.
(3) اعلم -رحمك الله- أن تقسـيم الألفاظ إلى صـريح وكناية -وإن كان تقسـيمًا صحيحًا في أصل الوضع- لكنه يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، فليس حكمًا ثابتًا للفظ لذاته، فرب لفظ صـريح عند قوم كناية عند آخرين، أو صـريح في زمان أو مكان، كناية في غير ذلك الزمان والمكان[3].
(4) يرى بعض الفقهاء أن لفظ الكناية لا يقع به الطلاق إلا بالنية، وهو مذهب المالكية والشافعية، ويرى بعضهم أنه يقع بالنية، أو بقرينة الحال؛ كالذي يقع في حال الخصومة، أو جوابًا لسؤالها؛ كأن تقول له: طلقني، فيقول لها: الحقي بأهلك مثلا. وهذا مذهب الحنفية، وهو إحدى الروايتين في مذهب أحمد.