حجم الخط:

1- القيام للصلاة:

24- مسائل ركن القيام

قال تعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]. وعن عمران بن حصـين رضي الله عنه قال: كانت بي بواسـير، فسألت النبي عن الصلاة؟ فقال: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب»[1]. فيجوز للمريض أن يصلي الفريضة قاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب.

ولا تصح صلاة القادر على القيام إذا صلى قاعدًا في الفريضة، أما النافلة فيجوز له أن يصلي قاعدًا مع قدرته على القيام، ويكون له نصف أجر القائم؛ لما ثبت عن عمران بن حصـين رضي الله عنه قال: سألت رسول الله عن صلاة الرجل قاعدًا فقال: «إن صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد»[2].

كما يجوز أيضًا صلاة النافلة على الراحلة؛ لما ثبت في الحديث أن النبي كان يصلي على الراحلة يومئ إيماءً أينما توجهت به الركاب[3].

ملاحظات وتنبيهات:

(1) يجوز في الخوف الشديد الصلاة قائمًا وراكبًا، مستقبل القبلة وغير مستقبلها، وتقدم ذلك في شـروط صحة الصلاة.

(2) إذا كان معذورًا وصلى قاعدًا فإن أجره يكون كاملًا؛ فعن أبي موسـى الأشعري رضي الله عنه رفعه: «إذا مرض العبد أو سافر، كُتِب له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا»[4].

(3) قال ابن حجر رحمه الله: (استدل به من قال: لا ينتقل المريض إلى القعود إلا بعد عدم القدرة على القيام، حكاه عياض عن الشافعي، وعن مالك وأحمد وإسحاق: لا يشترط العدم، بل وجود المشقة، والمعروف عند الشافعية أن المراد بنفي الاستطاعة: وجود المشقة الشديدة بالقيام، أو خوف زيادة المرض، أو الهلاك، ولا يُكتفَى بأدنى مشقة، و من المشقة الشديدة: دوران الرأس في حق راكب السفينة، وخوف الغرق لو صلى قائمًا)[5].

(4) إذا صلى الإمام قاعدًا، صلى المأمومون قعودًا كذلك، ولو كانوا قادرين على القيام؛ فعن جابر قال: قال رسول الله : «ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا»[6]، وسـيأتي بيان ذلك في صلاة الجماعة.

(5) قال النووي رحمه الله: (لو قام على إحدى رجليه، صحت مع الكراهة، فإن كان معذورًا فلا كراهة، ويكره أن يلصق القدمين، بل يستحب التفريق بينهما، ويكره أن يقدم إحداهما على الأخرى، ويستحب أن يوجه أصابعهما إلى القبلة)[7].

قلت: وقوله: (يستحب التفريق بينهما) لا يعني المبالغة في تفريقهما، بل يكونا بصورة معتدلة، فلا يلصقهما ولا يفتحهما فتحًا يزيد عن حده.

(6) يشترط في القيام: الانتصاب، فلا يصح أن يقف مائلًا إلى أحد جانبيه، أو منحنيًا إلى حد الراكعين، فإن انحنى -بلا عذر- إلى حد قريب من حد الركوع بطلت صلاته، وأما إطراق الرأس فلا يضـر.

(7) لو عجز عن الركوع والسجود دون القيام لعلة بظهره تمنع الانحناء، لزمه القيام، ويأتي بالركوع والسجود بحسب الطاقة.

(8) الصحيح أنه لو اعتمد من به عذر على عصًا أو حائط، صحت صلاته؛ سواء كان يسقط هو بزوال العصا أم لا، وقد ذهب إلى ذلك أبو ذر وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم. وقد ثبت في الحديث «أن النبي لما أسَن وكبِر اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه»[8].

(9) الأرجح في صفة القعود أن يجلس متربعًا، وهذا ما ذهب إليه مالك وأحمد وأبو حنيفة؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «رأيت رسول الله يصلي متربعًا»[9].

وأما كراهية ابن مسعود لذلك فيما رواه عنه البيهقي؛ فلعله لم يقف على ما رأته عائشة رضي الله عنها في صفة جلوسه في الصلاة.

ويمكن أن يقال: الأرجح أن يجلس مفترشًا على قدمه اليسـرى؛ لما ثبت في الحديث عن ابن عمر قال: «سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني رجلك اليسـرى»[10]، فقوله: «سنة الصلاة» يفيد الأفضلية مع جواز الجلوس متربعًا؛ لفعله كما تقدم في الحديث السابق.

ولا شك أن المريض إذا لم يقو على هذه الجلسة جلس على أي صفة يستطيعها؛ لقوله في الحديث: «فإن لم تستطع فقاعدًا»، ولقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

(10) إذا لم يستطع الصلاة من قعود، صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه، ويومئ إيماء في الركوع والسجود. ويرى بعض أهل العلم أنه إن لم يستطع استلقى على ظهره[11] بحيث تكون رجلاه إلى القبلة.

قلت: والحديث في ذلك لا يصح.

(11) إن عجز عن الصلاة مضطجعًا، اختلف العلماء؛ فمنهم من يرى أنه لا ينتقل إلى حالة أخرى، بل تسقط الصلاة عنه؛ لأنه لم يذكر في الحديث شـيئًا بعد الاضطجاع، ومنهم من يرى الانتقال إلى الإيماء بالرأس، ثم الإيماء بالطرف - يعني بالعين -، ثم بإجراء القرآن على قلبه، ودليلهم قول الله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

قالوا: فإن الصلاة أفعال وأقوال، فإذا لم يستطع أداء الأفعال أتى بالأقوال، وينوي الفعل بقلبه، ويرى شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه متى عجز المريض عن الإيماء برأسه سقطت عنه الصلاة، ولا يلزمه الإيماء بطرفه[12].

(12) مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد أن المصلي يرمي ببصـره حال قيامه إلى موضع سجوده، وأما المالكية فيرون أن موضع بصـره أمامه.

قال ابن عثيمين رحمه الله: (والأمر في هذا واسع، ينظر الإِنسان إلى ما هو أخشع له؛ إلا في الجلوس، فإنه يرمي ببصـره إلى أصبعه حيث تكون الإِشارة كما وَرَدَ ذلك [13]. -قال -: واستثنى بعضُ أهلِ العِلمِ: فيما إذا كان في صلاة الخوف[14]، لقوله تعالى: ﴿ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:102] وبأن النبي بعثَ عينًا يوم حُنين، فجعل رسولُ الله ينظر إلى ناحية الشِّعْبِ وهو يُصلِّي[15]؛ لينظر إلى هذا العين، والعين هو الجاسوس، ولأن الإِنسان يحتاج إلى النظَرِ يمينًا وشمالًا في حال الخوف، والعملُ -ولو كان كثيرًا- في حال الخوف مغتفر، فكذلك عَمَلُ البصـر، وهذا الاستثناء صحيحٌ)[16] انتهى.

قلت: ويحرم النظر إلى السماء حال الصلاة، وسـيأتي.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة