17- حكم المبيت بالمزدلفة:
الثابت عن رسول الله ﷺ المبيت بالمزدلفة حتى الفجر، فإذا تبين له الفجر صلى في أول وقته بأذان وإقامة؛ ففي حديث جابر رضي الله عنه قال: «ثم اضطجع حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلَّله ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس...»[1]. و«الإسفار»: هو وضوح ضوء النهار، ومعنى «أسفر جدًّا» أي: وضوحًا بليغًا بينًا. ويتعلق بذلك مسائل:
المسألة الأولى: حكم الوقوف بالمزدلفة والمبيت بها:
المقصود بالمبيت بالمزدلفة: حضور الحاج ووجوده بها ليلًا؛ سواء كان نائمًا أو مستيقظًا. وقد اختلف العلماء في حكم المبيت بالمزدلفة:
فمنهم من يرى أن ذلك سنة، ومنهم من يرى أنه واجب يجبر بدم، أي: أنه إذا تركه فعليه دم يذبحه ويوزعه على فقراء مكة. وهذا الرأي استحسنه الشـيخ ابن عثيمين، ورآه قولًا وسطًا[2]. ودليلهم حديث عروة بن مُضـرس؛ وفيه: «وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا»، ومعلوم أن الليل ينتهي عند الفجر، ومعلوم أنه إذا وقف قبل الفجر بعرفة، فإنه لا يمكنه أبدًا المبيت بالمزدلفة.
والقول الثالث أنه ركن كعرفة، وهو مذهب ابن حزم، واختاره الطبري، وابن خزيمة، وهو أحد الوجوه عند الشافعية، ولهم ثلاث حجج كما بين ذلك ابن القيم في زاد المعاد.
(أ) قوله ﷺ لعروة بن مُضـرس أيضًا: «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه وقضـى تفثه»[3]. والشاهد منه قوله: «ووقف معنا -أي بالمزدلفة- حتى ندفع».
(ب) قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة:198].
(جـ) فعله ﷺ الذي خرج مخرج البيان للذكر المأمور، وقد قال: «خذوا عني مناسككم»، وفي رواية: «لتأخذوا مناسككم»[4]. والراجح الوجوب كما تقدم من اختيار ابن عثيمين رحمه الله.
المسألة الثانية: مكان الوقوف بالمزدلفة:
قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة:198]، والمشعر الحرام جبل صغير بالمزدلفة، وقد وقف عنده النبي ﷺ، لكن لا يشترط الوقوف عنده، ففي أي موضع من مزدلفة وقف الحاج أجزأه؛ لقوله ﷺ: «وقفت ههنا، وجمع كلها موقف»[5]، و«جَمْع»: هي المزدلفة.
المسألة الثالثة: استحباب الدعاء:
وذلك لما تقدم في حديث جابر: «فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلَّله ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا»[6]، ووقت الإسفار هو وقت وضوح ضوء الصباح.
المسألة الرابعة: وجوب صلاة الفجر بالمزدلفة:
وهذا الحكم لجميع الحجاج عدا الضعفة والنساء، فإنه يجوز لهم أن يدفعوا منها إلى منى لرمي جمرة العقبة بعد غيبوبة القمر في هذه الليلة؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أنا ممن قدَّم النبيُّ ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله»[7]. وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن رسول الله ﷺ أذن لضعفة الناس من المزدلفة بليل»[8]. قال ابن القيم رحمه الله: (والذي دلت عليه السنة، إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف الليل، وليس مع من حدَّه بالنصف دليل)[9].
(1) لم يثبت دعاء معين إذا بلغ مزدلفة.
(2) لم يثبت أن النبي ﷺ أحيا تلك الليلة.
(3) من الأخطاء الوقوف بالمزدلفة بعض الوقت قليلًا ثم الخروج منها دون بيات، وخروج الأقوياء بعد منتصف الليل.
(4) ليس هناك دليل على أن الحصـى يلتقط من المزدلفة، بل إن النبي ﷺ التقطها في طريقه من مزدلفة إلى منى.