المسألة الرابعة: شروط القاعدة:
إضافة الحكم إلى المباشر عند اجتماع المتسبب معه في إحداث الأثر مقيدٌ بشروطٍ هي:
الشرط الأول: أن تكون المباشرة أقوى تأثيراً من التسبب، أي أنه لا بد أن تكون المباشرة غالبةً على التسبب، بحيث تطرأ المباشرة على السبب، فتقطع عمله، ولذا لو كان التسبب أقوى فإن الحكم يُضاف إلى المتسبب، ولو كانا متساويين فإن الحكم يُضاف إليهما، ويكون الضمان بينهما، لتساوي آثارهما في إحداث الضرر.
ومن أمثلة هذا: ما إذا شهد الشهود عمداً وزوراً بالقتل عند الحاكم، فحكم بالقتل قصاصاً، ثم رجع الشهود بعد التنفيذ، فإن الضمان يكون على الشهود دون الحاكم المباشر؛ لأن التسبب هنا أقوى من المباشرة فيُضاف الحكم إليه.
ولو أكره شخصٌ آخر إكراهاً ملجئاً على القتل، فقتل، فإن القصاص - عند بعض الفقهاء - يكون على المكرِه والمكرَه؛ لأن التسبب هنا وهو الإكراه يتساوى مع مباشرة القتل في القوة.
الشرط الثاني: أن تكون المباشرة فعلاً تصح إضافة الحكم إليه، وذلك بأن تكون فعلاً من مكلفٍ مختارٍ، فلو لم تكن المباشرة كذلك فإن الضمان يكون على المتسبب لا على المباشر، ومن أمثلة هذا: ما لو دفع شخصٌ سكيناً إلى صبيٍّ مميزٍ، فجرح الصبي بها نفسه، فلا ضمان على الدافع المتسبب، ويُضاف الأثر إلى المباشر، وهو الصبي، لكن لو وقعت السكين من يد الصبي فجرحت إنساناً، كان الضمان على الدافع؛ لأن المباشرة هنا ليست فعلاً من مكلفٍ مختارٍ.
الشرط الثالث: أن لا تكون المباشرة ناشئةً عن التسبب ومتولدةً عنه دون فصلٍ اختياريٍّ، فلو كانت المباشرة نتيجةً ناشئةً عن السبب ومترتبةً عليه دون فاصلٍ بفعلٍ اختياريٍّ فإن الحكم لا يُضاف إلى المباشرة، وإنما يُضاف إلى التسبب، ومن أمثلته: ما لو دفع شخصٌ آخر من علوٍّ، فوقع على شخصٍ آخر فقتله أو على مالٍ فأتلفه، فإن الملقِي هو المسؤول هنا وإنْ كان هو المتسبب، ولا ضمان على الملقَى، وإن كان هو المباشر للقتل أو الإتلاف؛ لأن المباشرة هنا مترتبةٌ على التسبب دون إمكان الفصل بينها وبين التسبب بفعلٍ اختياريٍّ.
الشرط الرابع: أن لا يتعذر تضمين المباشر، وذلك بأن يكون تضمين المباشر ممكناً شرعاً وعقلاً وعادةً، ولذا لو كان المباشر من غير أهل الضمان، أو كان غير موجودٍ أو غير معروفٍ، فإنه يكون الضمان على المتسبب، ومن أمثلته:
ما لو خرجت الأم من البيت وتركت صبيها الصغير الذي في حضانتها، فوقع في النار، فإن الضمان يكون على الأم، وهي هنا متسببةٌ، لأن الصبي - وهو المباشر - ليس من أهل الضمان هنا.
ولو زلق شخصٌ بماء المطر، فوقع في حفرةٍ حفرها شخصٌ بدون حقٍّ، فتضرر من هذا الوقوع، فإن الضمان على حافر البئر وإن كان متسبباً؛ لأنه لم يوجد مباشرٌ مسؤولٌ عن وضع الماء.
وكذا لو عثر شخصٌ بحجرٍ لم يُعرف واضعه فوقع في حفرةٍ، وتضرر، فإن الضمان على الحافر وإن كان متسبباً؛ وذلك لتعذر معرفة المباشر.
الشرط الخامس: أن تكون المباشرة عدواناً، فلو أن المباشرة لا عدوان فيها، فإن الضمان على المتسبب، ومن أمثلة ذلك: لو ضرب شخصٌ دابةً عليها راكبٌ أو نخسها بعودٍ بلا إذن من الراكب، فضربت بيدها أو رجلها شخصاً آخر، أو نفرت فصدمته وقتلته، فإن الناخس هو المسؤول، وإن كان هو المتسبب؛ لأن المباشرة هنا وهي الركوب لا عدوان فيها.
الشرط السادس: أن تنفرد المباشرة بالتأثير دون التسبب، فلو أن المباشرة لا تؤثر إلا بانضمام التسبب إليها أو أن التسبب يمكن أن يؤثر منفرداً عن المباشرة، فإن الحكم يُضاف إلى المباشر والمتسبب معاً، ويشتركان حينئذٍ في الضمان، ومن أمثلته:
ما مرَّ معنا من أنه لو أكره شخصٌ آخر إكراهاً ملجئاً على القتل، فقتل، فإن القصاص - عند بعض الفقهاء - يكون على المكرِه والمكرَه؛ لأن المباشرة هنا لا تؤثر إلا بانضمام التسبب إليها.
وكذا لو ساق شخصٌ دابةً وعليها راكبٌ يقودها، فأتلفت الدابة مالاً مملوكاً، فإن الضمان هنا يكون على السائق والراكب؛ لأن السوق وهو التسبب يمكن أن يؤثر منفرداً في الإتلاف دون المباشرة وهي الركوب.
وإذا تقرر ما سبق فقد ساق ابن رجب في قواعده في القاعدة السابعة والعشرين بعد المائة ما يشير إلى شيءٍ من هذه الاشتراطات، فقال: (إذا استند إتلاف أموال الآدميين ونفوسهم إلى مباشرةٍ وسببٍ، تعلق الضمان بالمباشرة دون السبب، إلا أن تكون المباشرة مبنيةً على السبب وناشئةً عنه، سواءٌ أكانت ملجئةً إليه أو غير ملجئةٍ، ثم إن كانت المباشرة والحالة هذه لا عدوان فيها بالكلية استقل السبب وحده بالضمان، وإن كان فيها عدوانٌ شاركت السبب في الضمان، فالأقسام ثلاثةٌ)[1].