حجم الخط:

[سمات التأليف في هذه المرحلة]

إذا تأملنا حركة التأليف في القواعد الفقهية بدايةً من القرن الحادي عشر فإننا يمكن أن نخرج بالنتائج الآتية:

أولاً: تعد هذه المدة امتداداً للخطى السابقة في التأليف في القواعد الفقهية من حيث كون المؤلفات التي جاءت في هذه المدة كانت إما شرحاً للمؤلفات السابقة أو اختصاراً أو نظماً لها أو تعليقاً يسيراً عليها.

ثانياً: تميَّزت المؤلفات في القواعد الفقهية في هذه الفترة بكونها أكثر نضجاً في صياغة القواعد وشرحها والتفريع عليها.

ثالثاً: كان علماء الحنفية أكثر نشاطاً في التأليف في القواعد الفقهية في هذه الفترة، ثم يأتي علماء المالكية والشافعية على السواء، أما علماء الحنابلة فأثرهم في هذه الفترة كان محدوداً.

رابعاً: ظهرت في هذه الفترة (مجلة الأحكام العدلية) التي ورد في مقدمتها مجموعةٌ من القواعد الفقهية المنتقاة من كتب الفقه الحنفي، وهذه المجلة قام بإصدارها جماعةٌ من علماء الدولة العثمانية، بأمرٍ من الدولة العثمانية إبان خلافتها على بعض الأقطار العربية؛ وذلك لتكون قانوناً مدنيّاً عامّاً مستمدّاً من الأحكام الفقهية في المذهب الحنفي، وكان ذلك عام 1286هـ، وقد صدرت على هيئةِ موادَّ بلغت (1851) مادةً، ذات أرقامٍ متسلسلةٍ، تتصدرها (99) قاعدة من قواعد الفقه، وقبلها المادة الأولى في تعريف الفقه وبيان أقسامه، وهذه القواعد استُمدت من كتاب (الأشباه والنظائر) لابن نجيم، وخاتمة كتاب (مجامع الحقائق) للخادمي، وقد رُوعي في اختيارها حسن الصياغة والإيجاز.

ثم صدر مرسومٌ عام 1293هـ يُلزم العمل بها وتطبيق أحكامها في محاكم الدولة، ثم إنه قد عُطِّل العمل بهذه المجلة بسقوط دولة الخلافة.

وفي وقتٍ لاحقٍ عُرِّبت هذه المجلة، وانبرى لشرحها أو شرح قواعدها جماعةٌ من العلماء في أوقاتٍ متفاوتةٍ.

خامساً: كانت موضوعات المؤلفات في القواعد الفقهية في هذه الفترة تدور- في الغالب - حول أربعة أمورٍ:

1- شرح كتاب (الأشباه والنظائر) للسيوطي الشافعي، أو اختصاره، أو التعليق عليه، أو نظمه كله أو بعضه، ومن هذه المؤلفات في هذا الموضوع: كتاب (الفوائد الجَنيَّة حاشية المواهب السَّنية) للشيخ محمد ياسين الفاداني المكي (ت1410هـ)، والكتاب حاشية على كتاب (المواهب السَّنية) للجرهزي (ت1201هـ) الذي هو شرحٌ لمنظومة (الفرائد البهية) لأبي بكر التهامي الحسيني (ت1035هـ) التي هي نظمٌ ملخِّصٌ لكتاب (الأشباه والنظائر) للسيوطي.

2- شرح كتاب (الأشباه والنظائر) لابن نجيم الحنفي، أو اختصاره، أو التعليق عليه، فقد تعددت المؤلفات حول هذا الكتاب من شروحٍ وتعليقاتٍ حتى إنها لتزيد على الأربعين شرحاً أو تعليقاً، ومنها:

- كتاب (غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر) لأحمد بن محمد الحموي (ت 1098هـ) وهو معدودٌ من شروح الكتاب.

- وكتاب (نزهة النواظر على الأشباه والنظائر) لابن عابدين (ت1252هـ)، وهو معدودٌ من التعليقات على هذا الكتاب.

3- شرح منظومة (المنهج المنتخب) للزقَّاق المالكي، أو تكميلها وشرح هذا التكميل.

- فقد أكمل هذه المنظومة محمد بن أحمد ميَّارة (ت1072هـ) حتى بلغت (671) بيتاً، ثم شرح هذا التكميل في كتابه (بستان فكر المُهَج).

- وشرح الأصل مع التكميل الشيخ محمد الأمين بن أحمد زيدان الشنقيطي المالكي (1325هـ) في كتابٍ سماه (المنهج إلى المنهج إلى أصول المذهب المبرج، مع شرح التكميل).

- وشرح الأصل فقط الشيخ أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي، وهو من علماء المالكية المعاصرين، في كتابٍ سماه (إعداد المُهَج للاستفادة من المنهج)، واستمده من شرح الشيخ محمد الأمين الشنقيطي المتقدم ذكره، حيث جرَّد المؤلف هنا الشرح عن الأبيات، ووضَّح عبارة الشرح، وتصرَّف في النص عند الحاجة إلى الإيضاح.

4- شرح (مجلة الأحكام العدلية) أو شرح قواعدها فقط، فقد حظيت هذه المجلة باهتمام الفقهاء ورجال القانون، ودُرِّست في كليات الحقوق في البلدان التي عملت بها، والقواعد التي في المجلة ليست بالجديدة، ولكن الجديد فيها هو عرض الفقه وتنظيمه على صورة موادَّ، يُراعى فيها عدم ذكر الخلافات، مع اعتمادها على الرأي الصالح للتطبيق من وجهة نظر أعضاء اللجنة التي كتبت المجلة.

- فمن الشروح التي كُتبت حول المجلة: (درر الحكام شرح مجلة الأحكام) لعلي حيدر، الذي كان يعمل أميناً للفتيا، ورئيساً أولاً لمحكمة التمييز العثمانية، ووزيراً في الدولة العثمانية، وهذا الشرح كتبه المؤلف باللغة التركية، ثم نقله إلى العربية فهمي الحسيني المحامي، وهو من أفضل شروح المجلة.

- ومن شروحها: (شرح القواعد الفقهية) للشيخ أحمد بن محمد الزرقا (ت1357هـ)، وهو شرحٌ لقواعد المجلة فقط، جمعه من حصيلة تدريسه لقواعد المجلة في المدارس الشرعية مدة عشرين عاماً.

- ومن شروحها كذلك: (المدخل الفقهي العام) للشيخ مصطفى بن أحمد الزرقا، وكتابه هذا غير مقصورٍ على شرح القواعد الفقهية، وقد كان شرحه لها موجزاً، وقدَّم للكلام عنها ببابٍ تكلم فيه عن معنى القواعد ومكانتها، وعن حركة التأليف فيها، ثم قسَّم قواعد المجلة إلى أساسيةٍ وفرعيةٍ، وأضاف إليها إحدى وثلاثين قاعدةً أخرى، مع شرح بعضها أو التمثيل له بإيجازٍ، أو الإحالة على موضع الكلام عنها، وقد رتَّب هذه القواعد الأخيرة على حروف المعجم بحسب أوائل كلماتها.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة