أولاً: تعريف القواعد الفقهية باعتبارها مركَّباً.
القواعد الفقهية مصطلحٌ مركَّبٌ من لفظين كما تقدم، لذا نحتاج إلى تعريف كلٍّ منهما على حدةٍ في اللغة، ثم في الاصطلاح.
فأما لفظ (القواعد) فهو جمع قاعدةٍ، ومادته اللغوية هي (القاف والعين والدال)، وهذه المادة تعني الاستقرار والثبات[1]، ويذكر بعض أهل اللغة لهذه المادة معاني أخرى لكنها ترجع في واقعها إلى هذا المعنى، وأقرب هذه المعاني المذكورة هو: أن القاعدة تعني الأساس، فقواعد البيت أساسه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ﴾ [البَقَرَة: 127]، وقوله تعالى: ﴿ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ ﴾ [النَّحل: 26]، والعلاقة بينهما من جهة أن الأحكام تُبنى على القاعدة كما أن الجدران تُبنى على الأساس[2].
وأما لفظ القاعدة في الاصطلاح فإن التأمل في تعريفات الأصوليين والفقهاء للقاعدة يظهر منه تقارب عباراتهم في هذا، ويمكن أن نستخلص من هذه التعريفات أنهم يرون أن القاعدة قضيةٌ كليةٌ[3].
وبعضهم قد يستبدل لفظ (قضية) بلفظ (أمْر)[4] أو بلفظ (حُكْم)[5] أو بلفظ (صورة)[6].
ولكن التعبير عن القاعدة بلفظ (قضية) أولى؛ لأن لفظ (أمْر) يشمل المفردات الكلية التي لا تكون قواعد، ولفظ (حُكْم) وإنْ كان جزءاً من القضية، ويمكن إطلاقه عليها من باب إطلاق الجزء على الكل إلا أن التعبير بلفظ (قضية) أتم وأشمل؛ لتناولها جميع الأركان على وجه الحقيقة.
وأما التعبير بلفظ (صورة) فهو تعبيرٌ غير مألوفٍ، كما أن في معناه شيئاً من عدم التميُّز والوضوح؛ لأن صورة المسألة صفتها ونوعها وخيالها في الذهن[7].
وأما وصفنا للقاعدة بأنها (كليَّةٌ) فهذا ركنٌ في معناها لا بد من تحققه ليتحقق وصف المعنى المراد تقريره بأنه قاعدة، وهذا قيدٌ وضعه كثيرٌ من العلماء الذين عرَّفوا لفظ (القاعدة) على اختلاف تعبيراتهم عنها بأنه قضيةٌ أو أمرٌ أو حكمٌ أو صورةٌ.
والمراد بكون القاعدة كليةً عند الأكثر من العلماء: أنها محكومٌ فيها على كافة أفرادها.
وهذا التفسير لكلية القاعدة يُشير إليه كثيرٌ من العلماء في تعريفاتهم للقاعدة بأنها تنطبق على جميع جزئياتها، فإن هذا الانطباق راجعٌ إلى كلية القاعدة؛ لذلك فإن التعبير عن القاعدة بلفظ (كلية) يُغني عن التعبير عنها بكونها تنطبق على جميع جزئياتها.
ولكن الحموي خالف هذا، وفسَّر كلية القاعدة بأنها التي لم تدخل قاعدةٌ منها تحت قاعدةٍ أخرى وإنْ خرج منها بعض الأفراد[8].
وهذا التفسير لكلية القاعدة مع مخالفته لتفسيرات العلماء لكليتها بما ذكرناه آنفاً فإنه أيضاً يلزم منه أن لا توصف جملةٌ كبيرةٌ من القواعد المتفرِّعة بأنها كليةٌ؛ لكونها داخلةً تحت ما هو أعم منها من القواعد الكبرى مع أنها موصوفةٌ بكونها (قواعد) في اصطلاح العلماء، وذلك مثل قاعدة (الضرورات تُبيح المحظورات) فهي داخلةٌ تحت قاعدة (المشقة تجلب التيسير) أو قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) فيلزم من تفسير الحموي لكلية القاعدة أن لا تكون هذه قاعدةً[9].
ثم إن كثيراً من العلماء يُضيف أيضاً إلى تعريف القاعدة أنه يُتعرَّف منها على أحكام الجزئيات، فيقول مثلاً: قضيةٌ كليةٌ يُتعرَّف منها على أحكام جزئياتها.
وهذه الزيادة في التعريف لا داعي لها؛ لأنها تمثِّل ثمرة القاعدة، وهي التي تسمى بالتخريج، وفي التعريفات ينبغي أن لا تدخل ثمرة الشيء في حقيقته[10].
لذلك فإن الذي يترجح أن معنى القاعدة في الاصطلاح أنها: قضيةٌ كليةٌ، وأن القواعد هي: القضايا الكلية.
وهذا التعريف الاصطلاحي منطبقٌ على القاعدة أيّاً كانت، أي سواءٌ أكانت نحويةً، أم أصوليةً، أم فقهيةً.
وأما لفظ (الفقهية) فهو يعني أن هذه القواعد منسوبةٌ إلى الفقه، والفقه في اللغة هو الفهم والعلم[11]، وأما في الاصطلاح فأشهر ما قيل فيه: إنه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية[12].
وأما إذا أردنا أن نبحث تعريف القاعدة الفقهية بهذا الوصف اللقبي فإن موضوعه هو تعريف القواعد الفقهية باعتبارها لقباً لعلْمٍ معيَّنٍ، الآتي الكلام عنه.