الاتجاه الثاني: الاحتجاج بالقاعدة الفقهية، وجعلها دليلاً صالحاً للاستنباط والترجيح.
وهذا الاتجاه يُفهم من كلام بعض العلماء، ومنهم:
1- ما ورد عن القرافي أنه يذهب إلى نقض حكم القاضي إذا خالف قاعدةً من القواعد السالمة عن المعارض[1]، وهذا يُشير إلى أن القرافي يرى أن القاعدة الفقهية في درجة الحجج القوية التي يُنقض حكم القاضي إذا حكم بخلافها، وهي النص والإجماع والقياس الجلي.
2- ما ورد عن ابن عرفة المالكي من أنه يقول بجواز نسبة القول إلى المذهب استنباطاً من القاعدة الفقهية[2]، مما يدل على أنه يرى صحة الحكم استناداً إلى القاعدة الفقهية، فإنه إذا جاز نسبة القول إلى المذهب بناءً على القاعدة جاز الحكم بها.
3- ما ورد في كلام السيوطي في مقدمة كتابه (الأشباه والنظائر) حيث وصف فن الأشباه والنظائر بأنه يُطَّلع به على حقائق الفقه ومداركه، ويُقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورةٍ[3].
والذي يبدو أن هذا الاتجاه مبنيٌّ على النظر إلى أن القواعد الفقهية كلية وليست أغلبية، وأن ما قيل من أنها أغلبيةٌ وأن المستثنيات فيها كثيرةٌ مردودٌ بان لكل قاعدةٍ شروطاً ينبغي تحققها وموانع ينبغي انتفاؤها، فما يُذكر من أنه مستثنًى منها إنما هو في الواقع إما فاقدٌ لشرط القاعدة أو وُجد به ما يمنع من إلحاقه بحكمها.
وأما ما قيل من أن كثيراً من القواعد الفقهية كان مصدره الاستقراء غير التام، فإن هذا لا يمنع من إطلاق وصف الكلية عليها كما هو معلومٌ من كلام كثيرٍ من العلماء عن موضوع الاستقراء.
وأما ما قيل من أن القواعد الفقهية ثمرةٌ للفروع فلا تُجعل الثمرة دليلاً عليها فلا يصح؛ لأن الفروع التي يُستدل بالقاعدة الفقهية عليها هي الفروع الحادثة لا الفروع التي استُنبطت منها القاعدة.