حجم الخط:

المرحلة الأولى: مرحلة النشوء والظهور:

وهنا يمكن القول: إن القواعد الفقهية قد ارتبطت في نشأتها بوجود النص الشرعي من القرآن والسنة، وذلك كأيِّ علمٍ من العلوم الشرعية، ولكن المقصود هنا هو الكلام عن نشأة القواعد وظهورها بهذه الصفة، وجمعها واعتبارها علْماً من العلوم.

ولأجل هذا فإن نشأة القواعد الفقهية قد ارتبطت بنشأة الفقه وتعدد فروعه ونضج مباحثه، فكان من المناسب أن تأتي نشأة القواعد الفقهية مرتبطةً بعصر الاجتهاد الفقهي المرتكز على الكتاب والسنة.

ولذلك فإن ظهور القواعد الفقهية في مبدئه كان قبل تدوين الفقه، وهي المرحلة التي تمثل عصر الصحابة وزمناً من عصر التابعين، وهنا نجد أنه قد وردت على ألسنة بعض الصحابة والتابعين طائفةٌ من النصوص التي يمكن أن تعد نموذجاً للقواعد الفقهية في تلك المرحلة، ومن هذه النصوص:

1- قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (مقاطع الحقوق عند الشروط)[1].

2- قول عليٍّ رضي الله عنه: (ليس على صاحب العارية ضمانٌ)[2].

3- قول ابن عباسٍ رضي الله عنهما: (لا إيلاء إلا بحلِف)[3].

4- قول شريحٍ القاضي: (لا يُقضى على غائبٍ)[4].

ثم لما بدأ تدوين الفقه ظهرت في نصوص الفقهاء طائفةٌ كثيرةٌ من القواعد الفقهية في أثناء عرضهم المسائل الفقهية على سبيل التوجيه للحكم الفقهي والتعليل له، ولم يكن إيرادها بقصد التقعيد للمسألة الفقهية، ومن هذه النصوص:

1- قول أبي يوسف (ت 182هـ): (وليس للإمام أن يُخرج شيئاً من يد أحدٍ إلا بحقٍّ ثابتٍ معروفٍ)[5].

2- قول محمد بن الحسن (ت 189هـ): (كل ما كان الأكل فيه فرضاً عليه، فإنه يكون مثاباً على الأكل؛ لأنه يمتثل به الأمر، فيتوصل به إلى أداء الفرائض من الصوم والصلاة...)[6].

3- قول الإمام مالكٍ (ت 179هـ): (كل ما لا يُفسد الثوب فلا يُفسد الماء)[7].

4- قول الشافعي (ت 204هـ): (الأرض على الطهارة حتى يستيقن النجاسة)[8].

فالملاحظ أن كثيراً من كتب الفقه قد اشتملت على كثيرٍ من القواعد الفقهية وإنْ كان بعض تلك المؤلفات قد تميَّز عن غيره ببروز التقعيد الفقهي لدى مؤلفه، وهذا يرجع إلى مدى اهتمام الفقيه بضبط الحكم وإرجاعه إلى علةٍ جامعةٍ مطَّردةٍ، وقد اشتهرت بعض المؤلفات الفقهية بهذا الأمر، ومنها: كتاب (الأم) للشافعي (ت 204هـ)، وكتاب (التلخيص) لابن القاص (ت: 335هـ).

وقد استمرت هذه الميزة في مؤلفاتٍ فقهية لاحقةٍ حتى بعد تدوين القواعد الفقهية، ومنها كتاب (التحرير شرح الجامع الكبير) للحصيري (ت 636هـ)، وكتاب (بدائع الصنائع) للكاساني (ت587هـ)، وكتاب (المغني) لابن قدامة (ت620هـ)، وكتاب (الذخيرة) للقرافي (ت684هـ)، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728هـ) وتلميذه ابن القيم (ت751هـ) ذات الصبغة الفقهية.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة