حجم الخط:

المرحلة الثانية: مرحلة الجمع والتدوين:

وهذه المرحلة[1] - بحسب الوقائع المادية المتوفرة لدينا - يمكن القول: إنها بدأت في القرن الرابع الهجري، وذلك من خلال أول كتابٍ نجده في هذا الشأن، وهو كتاب (رسالة في الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية) لأبي الحسن الكرخي الحنفي (ت340هـ)، وقد يسمى اختصاراً بــ (أصول الكرخي)، فهو أول مدوَّنٍ وصل إلينا في القواعد الفقهية[2].

على أن بعض العلماء قد ذكر أن أبا طاهر الدباس، وهو من علماء الحنفية، ومن أقران أبي الحسن الكرخي، قد ردَّ مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدةً، وله في ذلك حكايةٌ ليس هذا مقام عرضها[3]، خاصةً مع تشكيك بعض العلماء في صحتها، وعلى كل حالٍ فنحن لا نعلم حقيقة هذه القواعد المشار إليها، وهل هي بمعنى القواعد التي نحن بصددها؟ أو أنها قواعد أصوليةٌ؟

ومما يُذكر في هذه المرحلة ما نُسب إلى القاضي حسين (ت462هـ)، وهو من علماء الشافعية، من أنه ردَّ مذهب الشافعي إلى أربع قواعد (وهي القواعد الخمس الكبرى عدا قاعدة الأمور بمقاصدها)[4].

ويمكن القول: إن سبب تأخر جمع القواعد الفقهية وتدوينها إلى هذا القرن يرجع إلى أمرين:

أولهما: ارتباط القواعد الفقهية بالأحكام والفروع الفقهية، فلم تكن الحاجة قائمةً إلى جمع القواعد الفقهية وتدوينها إلا بعد اكتمال تدوين الفقه، فجاء جمع القواعد وتدوينها ليسد الحاجة لدى تلاميذ الأئمة إلى ما يساعدهم على تذكُّر المسائل الفقهية، ويضبط لهم ما تفرَّق منها.

ثانيهما: انشغال العلماء الذين اشتهر عنهم الاهتمام بالتقعيد والتأصيل بما كان دائراً في ساحة الفكر الإسلامي آنذاك، فعلى سبيل المثال: اشتهر عن الإمام الشافعي أنه من دوَّن أصول الفقه، ومع ذلك لم يلجأ إلى تقعيد الفقه بقواعد وضوابط مستقلة؛ لانشغاله بالفقه وأصوله وما يتعلق بهما من مسائل كانت مجالاً للحوار الفكري في عصره، كالبحث فيما يُحتج به وما لا يُحتج به من الأدلة، وهي مسائل كانت لها الأولوية في مجال الاستنباط الفقهي.

وبعد رسالة الكرخي لا نجد من المؤلفات في القواعد الفقهية - بحسب الوقائع المادية - سوى كتاب (تأسيس النظر) لأبي زيد الدبوسي الحنفي (ت430هـ)، وقد قسَّمه أقساماً بحسب الخلاف في كل قسمٍ؛ إذ قد يكون الخلاف بين علماء الحنفية أنفسهم، وقد يكون بينهم وبين غيرهم من علماء المذاهب كمالكٍ والشافعي، وقد حوت هذه الأقسام أصولاً يرجع إليها الخلاف وصلت إلى (86) أصلاً، وجعل كلَّ أصلٍ ضابطاً أو قاعدةً لمجموعةٍ من الفروع الفقهية التي وقع الخلاف فيها.

ثم لم تسعفنا الوقائع المادية في العثور على أي مؤلَّفٍ في القواعد الفقهية إلى القرن السابع الهجري، وما يُذكر قبل هذا القرن من كتبٍ في القواعد الفقهية لا يُعلم شيءٌ عن وجودها، ولا عن حقيقة مضمونها.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة