حجم الخط:


المسألة الأولى: الموقف من نص هذه القاعدة:

النظر إلى ظاهر نص هذه القاعدة وما حصل فيه من إطلاقٍ أوقع إشكالاً لدى عددٍ من الباحثين المعاصرين، فلقيت هذه القاعدة بهذه الصيغة معارضةً منهم، واختلفوا في توجيه هذه القاعدة.

فمنهم من رفضها جملةً وتفصيلاً بناءً على أن أحكام الشريعة لا تتغير بتغير الزمان أو غيره من المصالح أو الأعراف والعادات، ولا تقبل التبديل إلا بطريق النسخ، والنسخ لا يُعرف إلا بطريق الوحي، وقد انقطع الوحي بوفاة النبي ﷺ.

وإنْ حصل فيها تغييرٌ مع اختلاف الأزمان فلا يقع ذلك في حكم الحادثة نفسها بخصائصها وحيثياتها، وما يقع من ذلك قد يكون في حادثةٍ جديدةٍ في الزمن الجديد غير الحادثة في الزمن القديم، واختلاف حكمهما حينئذٍ لا يقال له تغييرٌ، ولا ينبغي أن يكون هذا محلّاً للنزاع.

ولذلك فإن مضمون نص هذه القاعدة لا يصح؛ لأن التغيير لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يكون نسخاً وتبديلاً، وهذا ليس لأحدٍ أن يقول به بعد وفاة النبي ﷺ، وإما أن يكون اختلاف وقائع وتحقيق مناطٍ، فلا يكون تغييراً ولا نسخاً ولا تبديلاً [1].

ومنهم من ذهب إلى تقييد مجال إعمال القاعدة بالأحكام الاجتهادية، أو الأحكام المبنية على العرف والمصلحة[2].

إلا أني لا أجد إشكالاً في إطلاق نص هذه القاعدة، ويمكن الخروج مما أُورد على القاعدة في الإشكال السابق بأمرين:

الأمر الأول: أن نفسِّر لفظ (الأحكام) في القاعدة بالأحكام المنصوصة المعلَّقة- بطريق التعليل- على المصلحة أو العرف والعادة.

ويدخل تحت هذا التفسير الأحكام الاجتهادية غير المنصوص عليها المبنية على المصلحة أو العرف والعادة.

ولا شك أن هذا النوع من الأحكام قد يتغير بتغير الأحوال ولو كان في حادثةٍ مماثلةٍ تماماً كما سيأتي التمثيل له.

الأمر الثاني: أن نبدِّل لفظ (الأحكام) بلفظ (الفتوى أو الاجتهاد)، ومعلومٌ أن الفتوى أو الاجتهاد قد يتغير من العالم المجتهد بتغير الأزمان إذا كان الحكم الذي هو محلٌّ للفتوى من قبيل ما ورد في الأمر الأول.

والأولى في هذا المقام أن نبدِّل لفظ (الأزمان) الوارد في نص القاعدة بلفظ (الأحوال)؛ لأن هذا اللفظ الأخير يشمل المصالح، والأعراف والعوائد، ويشمل أحوال المكلف الشخصية والزمانية والمكانية.

وتتأكد الحاجة إلى تبديل هذا اللفظ في هذا المقام خاصة؛ لأن صلة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى لا تتأتى إلا إذا دخل العرف والعادة في إطلاق القاعدة، ولا يكون الأمر كذلك إلا بالتعبير بلفظ (الأحوال) دون لفظ (الأزمان)، والأمر في هذا ظاهرٌ.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة