المسألة الثالثة: الأدلة على القاعدة:
هذه القاعدة دل على معناها أدلةٌ كثيرةٌ من القرآن والسنة والإجماع، ولكن العمدة في تأصيل قاعدة (الأمور بمقاصدها) هو ما ورد في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى... الحديث»[1] وهذا الحديث مما تلقته الأمة بالقبول.
وقوله ﷺ في الحديث: «إنما الأعمال بالنيات» - حصرٌ، معناه: لا عمل إلا بنيةٍ. وفي الكلام حذفٌ اختلف العلماء في تقديره:
فقيل: التقدير (إنما صحة الأعمال بالنيات) أو نحوه، وهذا التقدير قال به من يرى أن النية شرطٌ في الأعمال.
وقيل: التقدير (إنما كمال الأعمال بالنيات) أو نحوه، وهذا قال به من لم يرَ النية شرطاً في الأعمال. والذي يترجح هنا هو التقدير الأول؛ لأن الصحة أكثر لزوماً للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى، فيكون المراد به: اعتبار الأعمال وبناء الحكم عليها.
يُضاف إلى هذا الدليل مجموعةٌ من الأدلة من القرآن والسنة تدل على أهمية المقاصد، وعلى كونها مقياساً توزن به الأعمال صحةً وفساداً قبولاً أو ردّاً، ومن ذلك:
- قوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ ﴾ [الكهف: 28].
وهذا دليلٌ على أنه لا بد من ملاحظة القصد والنية في العمل، وذلك بإرادة وجه الله فيه، وذلك أن التعبير بالإرادة دالٌّ على النية والقصد؛ لأنهما من أنواع الإرادة.
- قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النِّسَاء: 100].
ففي هذه الآية إرشادٌ إلى ضرورة إخلاص القصد والنية في العمل، يوضح ذلك سبب نزول هذه الآية.
- قوله ﷺ: «لا عمل لمن لا نية له»[2].
وهو بمعنى الحديث المعتمد في تأصيل القاعدة، وغير ذلك من الآيات والأحاديث التي تفيد بمجموعها كون المقاصد والنيات ملحظاً مهمّاً في الثواب والمجازاة، مما يدل على أن للنية ملحظاً في الصحة والنفوذ.