حجم الخط:

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: الأدلة على هذه القاعدة:

دلَّ على هذه القاعدة عددٌ من الأدلة، ومنها:

الدليل الأول: ما ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «جاء أعرابيٌّ، فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ، فلما قضى بولَه، أمر النبي ﷺ بذَنوبٍ من ماءٍ فأُهريق عليه»[1].

ووجه الدلالة منه: أن نجاسة البول استُهلكت مع الماء والتراب فلم يبقَ لها أثرٌ، فأصبحت كالمعدومة، فلا يُبنى عليها حكمٌ، بدليل أن النبي ﷺ جعل خلط نجاسة البول مع الماء الكثير تطهيراً لأرض المسجد.

الدليل الثاني: ما ورد عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه أنه قيل لرسول الله ﷺ: أنتوضأ من بئر بُضاعة، وهي بئرٌ يُطرح فيها الحِيَضُ ولحم الكلاب والنَّتَنُ؟ فقال رسول الله ﷺ: «الماء طهورٌ لا ينجسه شيءٌ»[2].

ووجه الدلالة منه: أن هذا الحديث دلَّ على أن الماء إذا وقعت فيه نجاسةٌ ولم تغيره، بل استُهلكت فيه، فإنه في حكم العدم، بدليل أن الشرع حكم بطهارة الماء الذي وقعت فيه النجاسة ولم تغيره، وخرجت صورة تغير الماء بالنجاسة من دلالة هذا الحديث بحكم الإجماع، فبقي دالّاً على ما وقعت فيه نجاسةٌ ولم تغيره.

الدليل الثالث: قياس الاستهلاك على الاستحالة[3] بجامع حصول التغير في العين في كلٍّ منهما، فكما أن العين في الاستحالة تنقلب صفاتها وتتغير إلى عينٍ أخرى، وتنعدم حقيقتها الأولى، فكذلك العين في الاستهلاك إذا فقدت صفاتها فإنه يحكم لها بالعدم، ولا يبنى عليها حكمٌ.

الدليل الرابع: أن أي عينٍ من الأعيان تتصف بصفاتٍ تختلف بها عن أي عينٍ أخرى، وتأخذ اسماً خاصّاً بها بناءً على هذه الأوصاف، فتبقى تلك العين على هذا الاسم ما دامت تلك الأوصاف قائمةً، فإذا زالت تلك الأوصاف التي من أجلها سميت هذه العين بهذا الاسم وجب أن يتغير اسم هذه العين وحقيقتها، والعين إذا انغمرت في غيرها واستُهلكت ولم يظهر لصفاتها أثرٌ في العين الأخرى فإنه يبقى الاسم والوصف للعين القائمة وتضمحل العين المستهلكة حينئذٍ.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة