حجم الخط:

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة مكوَّنة من ركنين أساسين هما (اليقين والشك):

- فأما اليقين: فمعناه في اللغة في المشهور: العلم وزوال الشك، وقد يأتي بمعنى الظن الراجح والغالب، وقد استُعمل الظن بمعنى اليقين في القرآن الكريم في عددٍ من الآيات، منها: قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو [البَقَرَة: 46]، وقوله تعالى: ﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ [الحَاقَّة: 20].

واليقين في الاصطلاح هو: حصول الجزم بوقوع الشيء أو عدم وقوعه. واليقين في هذه القاعدة يُراد به اليقين الاصطلاحي المتقدم كما أنه يُراد به أمراً أقل درجةً منه وهو (الظن)، والمراد بالظن في الاصطلاح: إدراك الاحتمال الراجح من احتمالين أو أكثر يتردد الذهن بينها.

والظن معمولٌ به في كثيرٍ من أحكام الشرع، وقد يُسميه بعض الفقهاء يقيناً، قال النووي: (اعلم أنهم يُطلقون العلم واليقين، ويريدون بهما الظن الظاهر، لا حقيقة العلم واليقين، فإن اليقين هو الاعتقاد الجازم... حتى لو أخبره ثقةٌ بنجاسة الماء الذي توضأ به فحكمه حكم اليقين في وجوب غسل ما أصابه وإعادة الصلاة، وإنما يحصل بقول الثقة ظنٌّ لا علمٌ ويقينٌ)[1].

- وأما الشك: فهو في اللغة التداخل والاختلاط، ويأتي بمعنى مطلق التردد، والمعنى الثاني ناتجٌ عن الأول.

والشك في الاصطلاح هو: التردد بين وجود الشيء وعدمه دون ترجيحٍ لأحدهما على الآخر.

والشك في هذه القاعدة يُراد به الشك الاصطلاحي المتقدم كما يُراد به من باب أولى أمراً آخر أقل درجةً منه، وهو (الوهم)، وهو في الاصطلاح: إدراك الاحتمال المرجوح من احتمالين أو أكثر يتردد الذهن بينهما سواءٌ استند إلى دليلٍ أو لم يستند.

والوهم بهذا المعنى قسيمٌ للظن بالمعنى الذي ذكرناه، حتى إنه قد يُطلق على الوهم: الظن الفاسد.

والذي يظهر من استعمالات الفقهاء للوهم أنهم يُدخلون في معناه أيضاً: الاحتمال العقلي البعيد النادر الحصول.

ويجدر التنبيه هنا إلى أن من الفقهاء من ألحق الظن بالمعنى الذي ذكرناه بالشك، فجعل الشك شاملاً لحالة التردد المستوي الاحتمالات ولحالة التردد الذي ترجح فيه أحد الاحتمالات على غيره.

وقد ذكر الزركشي أن استعمال الفقهاء للشك بهذا المعنى إنما هو في الأحداث فقط، وإلا فإنهم يُفرِّقون بين هاتين الحالتين في مواضع كثيرة.

والذي يظهر أن عدم تفريقهم بين هاتين الحالتين في الأحداث راجعٌ إلى مراعاة الاحتياط في أمر الأحداث، وأن الخروج منها بالطهارة لا بد أن يكون باليقين أو بالظن الغالب.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة: أنه إذا ثبت أمرٌ من الأمور ثبوتاً جازماً أو راجحاً، وجوداً أو عدماً، ثم طرأ بعد ذلك شكٌّ أو وهمٌ في زوال ذلك الأمر الثابت، فإنه لا يُلتفت إلى ذلك الشك والوهم، بل يُحكم ببقاء الأمر الثابت على ما ثبت عليه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة