المسألة الثالثة: معنى القاعدة:
أولاً: المعنى الإفرادي[1]:
هذه القاعدة تدور حول لفظي الضرر والضرار المنفيين، ومادة هذين اللفظين اللذين اشتُقا منها واحدةٌ، وهي الضَّرُّ أو الضُرُّ، وهما لغتان، وهي في اللغة تعني خلاف النفع.
وقيل الضَّر خلاف النفع، والضُّر ما كان من سوء حالٍ أو فقرٍ وشدةٍ، فمن الأول قوله تعالى: ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ ﴾ [آل عِمرَان: 120]، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ﴾ [الزُّمَر: 49].
وأما (الضرر) و(الضرار) في الاصطلاح فقد قيل: إنهما بمعنًى واحدٍ، فكلٌّ منهما يعني: نقصانٌ يدخل على الشيء، أو مفسدةٌ تلحق بالشيء. وتكرارهما في لفظ الحديث من باب التأكيد، فالثانية توكيدٌ للأولى.
والذي يترجح أن لكلٍّ منهما معنًى اصطلاحيّاً خاصّاً؛ وذلك لما هو معلومٌ من أن التأسيس أولى من التأكيد. ولكن حصل الخلاف في تحديد معنى كل منهما على أقوالٍ:
القول الأول: أن الضرر إلحاق الإنسان مفسدةً بغيره بحيث ينتفع هو بذلك الإلحاق، وأما الضرار فهو إلحاق الإنسان مفسدةً بغيره بحيث لا ينتفع هو بذلك الإلحاق.
القول الثاني: أن الضرر إلحاق الإنسان مفسدةً بغيره ابتداءً، وأما الضرار فهو إلحاق الإنسان مفسدةً بمن أضر به على سبيل المجازاة على وجهٍ غير جائزٍ.
القول الثالث: أن الضرر اسمٌ والضرار مصدرٌ، فالمصدر الذي هو الضرار يُشير إلى فعل الضرر والوقوع فيه، والاسم الذي هو الضرر يُشير إلى ما يُوصل إلى فعل الضرر والوقوع فيه ويكون وسيلةً إليه. فيكون النهي وارداً على ارتكاب الضرر أو ارتكاب وسيلته.
والذي يترجح من هذه المعاني للفظي الضرر والضرار هو ما تضمنه القول الثاني؛ وذلك لأن لفظ (الضرار) مصدرٌ قياسيٌّ على وزن (فِعال)، وفعله على وزن (فاعَلَ) وهو يدل على المشاركة بين اثنين فأكثر[2].
ويجدر التنبيه إلى أن التعريفات المشار إليها هنا قد اتجهت إلى تخصيص معنى الضرر بما يقع على الغير، بينما أنه يمكن أن يدخل فيه أيضاً الضرر الذي يوقعه أو يمكن أن يوقعه الإنسان على نفسه.
كما أنه ينبغي التنبه إلى أن الضرر والضرار يمكن أن يكون كلٌّ منهما حسيّاً ويمكن أن يكون معنويّاً.
وأما النفي الوارد في نص القاعدة وفي نص الحديث قبل ذلك فهو بمعنى النهي؛ إذ إن (لا) نافيةٌ، وهي ليست لنفي الوقوع؛ لأن الضرر والضرار يقعان كثيراً بحسب الواقع، وبناءً عليه يكون المقصود بالنفي هنا نفي الجواز، فيثبت حينئذٍ التحريم شرعاً[3].
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن الضرر والضرار بحسب ما ترجح من معناهما محرمان في شريعتنا، ولذا يحرم إيقاع الضرر ابتداءً أو مقابلةً على وجهٍ غير جائزٍ، ويُفهم من هذا أن الضرر الواقع بهذه الكيفية يجب دفعه قبل وقوعه أو رفعه بعد الوقوع إنْ أمكن.