حجم الخط:


المسألة الثالثة: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي:

هذه القاعدة تدور حول لفظي (العادة) و(محكَّمة).

- فأما لفظ (العادة) فهو لفظٌ مفردٌ يُجمع على عاداتٍ وعوائد، وهي في اللغة مأخوذة من العَوْد، وهي تعني التمادي في الشيء والاستمرار فيه حتى يصير سجيةً. وهذا المعنى يقتضي وجود التكرار في الأمر مرةً بعد أخرى.

وقد وقع الاختلاف في تعريف العادة في الاصطلاح بحسب النظر إلى مرادفتها للعرف أو اختلافها عنه، ولعل أحسن ما يُقال فيها أنها: تكرر الأمر مرةً بعد أخرى تكرراً يخرج عن كونه واقعاً بطريق الاتفاق.

وهذا التعريف يجعل العادة شاملةً لكل متكررٍ من قولٍ أو فعلٍ مما يتكرر للفرد أو الجماعة، وشاملاً لكل ما ينشأ عن اتجاهٍ عقلي وتفكيرٍ، أو عن سببٍ طبيعيٍّ، أو عن قصدٍ وإرادةٍ ناشئةٍ عن الأهواء والشًهوات وفساد الأخلاق مما يسمى بفساد الزمان.

وعلى هذا لا فرق بين العادة والعرف في المعنى كما هو واقع استعمال الفقهاء، خاصةً وأنه لا وجه للتفرقة بينهما في بناء الأحكام.

وإن كان بعضهم قد يُفرِّق بينهما إلا أن واقع هذا التفريق فيه شيءٌ من التباعد؛ حيث يجعل بعضهم العادة أعم لكونها تشمل العادة الفردية وعادة الجمهور الكثير، ويقصر العرف على عادة الجمهور الكثير في أمرٍ ناشئٍ عن التفكير.

وعلى هذا فعادة الفرد والعادة الناشئة من سببٍ طبيعيٍّ كإسراع النضج في البلاد الحارة لا يسمى عرفاً.

على أنه في مقابل ذلك يجعل بعضهم العرف أعم لكونه يشمل الأقوال والأفعال، ويقصر العادة على جانب الأفعال فقط[1].

فعلى كلا النظرين يكون بين العادة والعرف عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ.

وبالنظر في التعريف المختار للعادة نجد أنها تشمل ثلاثة أمورٍ:

الأمر الأول: ما يعتاده الفرد من الناس في شئونه الخاصة، كعادته في أكله وشربه وحديثه، ويسمى هذا العادة الفردية.

الأمر الثاني: ما تعتاده الجماعة والجماهير من الناس مما ينشأ في الأصل عن اتجاهٍ عقليٍّ وتفكيرٍ، وهو ما يعنيه لفظ (العرف) عند بعضهم.

الأمر الثالث: الأمر المتكرر الناشئ عن سببٍ طبيعيٍّ، كإسراع البلوغ ونضج الثمار في البلاد الحارة.

- وأما لفظ (محكَّمة) فهو في اللغة اسم مفعولٍ من التحكيم، وهو مأخوذٌ من الحكم، وهو يعني المنع والفصل والقضاء، ومعنى كون الشيء محكَّماً: أن الأمر قد جُعل وفُوِّض إليه.

وأما في الاصطلاح فهي تعني: أنها المرجع عند النزاع.

وقد تفاوتت مواقف العلماء في تحقيق مناط هذه المرجعية، فبعضهم يرى أن العادة دليلٌ من أدلة الأحكام، وعليه قدماء علماء الحنفية والمالكية، وهو ظاهر عبارة الشيخ أحمد الزرقا.

وبعضهم يرى أن العادة لا تصلح دليلاً لإثبات حكمٍ شرعيٍّ، ونسب بعضهم هذا الرأي إلى جمهور الأصوليين، وأرجع هذا الرأي إلى ما فهمه من كلامهم في مباحث التخصيص؛ حيث لم يجوِّزوا تخصيص النص بالعادة والعرف[2].

ويمكن التقريب بين هاتين الوجهتين بالقول: إن أصحاب الاتجاه الأول يعنون به كون العادة والعرف مرجعاً للإثبات عند الاختلاف مع عدم وجود الدليل النقلي في المسألة، وهذا في الظاهر لا ينكره أصحاب الاتجاه الثاني.

وأصحاب الاتجاه الثاني يعنون به عدم الاعتماد على العادة والعرف كدليلٍ مستقلٍّ في بناء الأحكام بدون النظر إلى موافقة الدليل النقلي أو مخالفته وقد يعنون به عدم قدرة العادة والعرف الحادث على تخصيص النص، وهذا في الظاهر لا ينكره أصحاب الاتجاه الأول.

فحصل مما تقدم أن تحكيم العادة يعني كونها مرجعاً عند النزاع بحيث تكون معتمداً في الإثبات أو النفي.

على أنه يجدر التنبيه إلى أن إطلاق هذه العبارة في الظاهر مقيَّدٌ في الواقع بشروطٍ للإعمال سيأتي الكلام عنها.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:

أن العادة- بحسب معناها المتقدم- تُجعل مرجعاً يُفوَّض إليه إثبات الأحكام أو نفيها.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة