هذه القاعدة تدل بلفظها على أن كل اضطرارٍ لا يُبطل حق الغير مطلقاً، ولكن عند النظر في فتاوى العلماء نجدهم يجعلون الاضطرار مبطلاً حيناً وغير مبطلٍ حيناً آخر، لذلك حاول ابن رجب أن يضبط هذا التفاوت بذكر قاعدةٍ فيها تفصيلٌ دقيقٌ حسنٌ، فقال: (القاعدة السادسة والعشرون: مَنْ أتلف شيئاً لدفع أذاه له لم يضمنه، وإنْ أتلفه لدفع أذاه به ضمنه) وخرَّج على هذه القاعدة جملة من الفروع الفقهية التي يظهر من خلالها هذا التفصيل، ومنها:
- أنه لو صال على الآدمي آدميٌّ آخر أو بهيمةٌ، ولم يمكن له دفعه إلا بقتله، فقتله، فإنه لا يضمنه؛ لأنه أتلفه لدفع أذاه له، ولو أنه قتل حيواناً مملوكاً لغيره في مجاعةٍ ليُحيي به نفسه، فإنه يضمنه؛ لأنه أتلفه ليدفع الأذى به.
- لو أشرفت سفينةٌ على الغرق فألقى بعضُ من كان عليها متاعَ غيره ليُخففها بدون إذنه، فإنه يضمنه؛ لأنه أتلف المتاع لدفع الأذى به، ولو أنه سقط عليه متاع غيره فخشي أن يُهلكه، فدفعه، فوقع في الماء، فإنه لا يضمنه؛ لأنه أتلفه ليدفع الأذى له[1].