المسألة الثانية: أسباب التبعية:
حتى تتحقق التبعية في شيءٍ ما فإنه لا بد من تحقق سببٍ من الأسباب الآتية:
السبب الأول: أن يكون الشيء جزءاً من غيره أو كالجزء من غيره أو من ضروراته[1]:
فأما ما كان جزءاً من غيره فالمراد به: ما لا يوجد الشيء دونه ولا يقبل الانفصال عنه بالنظر إلى الغرض من ذلك الشيء. كالسقف والجدران والنوافذ بالنسبة للدار.
والمراد بما كان كالجزء: ما يوجد الشيء دونه في الأصل، وإذا وُجد فإنه لا يقبل الانفصال بالنظر إلى الغرض من ذلك الشيء. كالجنين بالنسبة للأم، والثمر بالنسبة للشجر.
وأما المراد بما كان من ضرورات الشيء فهو: ما كان من لوازم العين أو التصرف عقلاً أو عرفاً، أو من مصالحهما وكمال منافعهما، بحيث يتوقف عليها الانتفاع بذلك الشيء. كالعلو والسفل بالنسبة للأرض، والمفتاح بالنسبة للقفل، ووضع السلعة عند أصحاب الدكاكين بالنسبة للدلال فإنه من لوازم ملكه للتصرف بالبيع.
السبب الثاني: الاتحاد بين الشيء وغيره في الجنس، وذلك كالثمار التي من جنسٍ واحدٍ يجوز بيعها بعد بدو الصلاح في ثمرةٍ واحدةٍ منها، ويُلحق الذي لم يبدُ صلاحه بالذي بدا فيه الصلاح، وكذا المقاثي والمباطخ تتحد في الجنس، فيجوز بيع كلٍّ منها إذا طاب، ويُلحق الذي لم يطب بما طاب؛ وذلك كله لأجل التبعية الناتجة عن الاتحاد في الجنس.
السبب الثالث: الاتصال بين الشيء وغيره مع إرادة البقاء، والمراد بالاتصال الذي يُراد للبقاء: أن يكون اتصالاً في الحال وفي ثانيه، وليس قابلاً للفصل في ثاني الحال سواءٌ أكان اتصالاً حسيّاً أم معنويّاً. وذلك كالشجر والبناء بالنسبة للأرض، والسِّمَن بالنسبة للبهيمة، وتعلم الصنعة بالنسبة للعبد.
السبب الرابع: تولد الشيء من غيره، فإن المتولد من الشيء يُعطى حكم ذلك الشيء الذي هو أصله، وذلك كالربح بالنسبة للمال، والنِّتاج بالنسبة للماشية.
السبب الخامس: تميُّز الشيء عن غيره بقلةٍ أو بضعفٍ: والمقصود أن الشيء إذا كان قليلاً أو ضعيفاً لأجل كثرة أو قوة ما يُقابله، فإن هذا القليل أو الضعيف يتبع الكثير أو القوي في حكمه، كالثمر غير المؤبر بالنسبة للثمر المؤبر، وكالأنف بالنسبة للجبهة في السجود.
ووجه تبعية الأقل أو الأضعف للأكثر أو للأقوى يرجع إلى أن اعتبار القليل أو الضعيف وإفراده بحكمٍ خاصٍّ فيه نوع مشقةٍ، بحيث تعسر مراعاته والالتفات إليه، فتعم بذلك البلوى، ولذلك يُلحق بالكثير أو القوي في حكمه؛ دفعاً لهذه المشقة.