المسألة الثانية: الدليل على القاعدة:
يمكن أن يُستدل لهذه القاعدة بأدلةٍ من النص ومن المعنى:
- فأما الدليل عليها من النص فمنه:
1- ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابيٌّ فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مهْ مهْ. فقال رسول الله ﷺ: «لا تُزْرِموه، دعوه»، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن». قال فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلوٍ من ماء فشنَّه عليه[1].
ووجه الدلالة منه: أنه قد تقابل في حق هذا الأعرابي ضرران:
أحدهما: تركه حتى يُكمل بوله، وفي هذا زيادة تنجيسٍ للمسجد.
وثانيهما: قطع بوله عليه، وفيه ضرر تنجيس بدنه وثيابه ومواضع أخرى من المسجد، واحتباس بقية البول عليه ونحو ذلك. والظاهر أن الضرر الثاني أشد من الأول، لذا نهى الرسول ﷺ الصحابة عن زجر هذا الأعرابي دفعاً للضرر الأشد بالضرر الأخف.
2- ما ورد في شأن صلح الحديبية، وفيه أن المشركين اشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لم نرده عليكم ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقال الصحابة: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال: «نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً»[2].
ووجه الدلالة منه: أن هذا الشرط فيه ضررٌ على المسلمين لما فيه من الإذلال وعدم المكافأة بين الفريقين، ومع ذلك قبله النبي ﷺ لكون هذا الضرر أخف من ضرر حصول القتل للمسلمين الذين بمكة.
3- ما ورد في قصة الخضر مع موسى S، حيث خرق الخضر السفينة وقتل الغلام، وذلك ضررٌ ومفسدةٌ، إلا أنه قد قابل ذلك ذهاب السفينة كلها غصباً من الملك الظالم، وإرهاق أبويه كفراً، وإفساده لدينهما إنْ هو بقي، وهذا أيضاً ضررٌ ومفسدةٌ إلا أنه أشد وأعظم، فارتكب الخضر الضرر الأخف وهو خرقه للسفينة وقتله للغلام لإزالة الضرر الأشد[3]. وهذا قد ورد في شرعنا أنه من شرع من قبلنا، ولم يُصرِّح شرعنا بقبوله أو نفيه، وهو حجةٌ على الراجح.
- وأما الدليل على القاعدة من المعنى: فإن من المعلوم أن ارتكاب الفعل الضار محرمٌ شرعاً، فلا يُستباح إلا في حال الضرورة، فإذا تقابل ضرران جاز استباحة أحدهما من باب الضرورة، وحينئذٍ لا يُستباح إلا الأقل ضرراً؛ لأنه لا ضرورة في ارتكاب الأشد المشتمل على زيادة الضرر[4]، لما تقدم من أن الضرورة تقدَّر بقدْرها.