المسألة الثانية: شرط القاعدة ومجال إعمالها:
إذا كانت هذه القاعدة تفيد أن الأصل وأن القاعدة المستمرة في الأصل والشروط والعقود هو الصحة والجواز، وأن أي عقد أو شرط يعقده المكلف مع غيره يكون مباحاً ويجوز التعامل.
إلا أن هذا الحكم ليس على إطلاقه، بل هو مقيدٌ بشرطٍ، وهو: التحقق والتوثق من عدم وجود دليلٍ شرعيٍ يُحرِّم العقد أو يبطل الشرط.
وهذا يعني أنه إذا أراد شخص أن يتعامل بمعاملةٍ أو يعقد شرطاً في معاملةٍ، فإن الأصل في ذلك الجواز، ولأجل الجزم بجوازه وصحته فإنه يجب التحقق والتوثق من أنه لا يوجد نصٌّ معينٌ صريحٌ يخالف هذا العقد أو هذا الشرط.
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الدلالة على هذا الشرط: (فلا يجوز القول بموجب هذه القاعدة في أنواع المسائل وأعيانها إلا بعد الاجتهاد في خصوص ذلك النوع أو المسألة، هل ورد من الأدلة الشرعية ما يقتضي التحريم أم لا؟. أما إذا كان المدرك الاستصحاب ونفي الدليل الشرعي فقد أجمع المسلمون وعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز لأحدٍ أن يعتقد ويفتي بموجب هذا الاستصحاب والنفي إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصة إذا كان من أهل ذلك، فإن جميع ما أوجبه الله ورسوله وحرمه الله ورسوله مغيرٌ لهذا الاستصحاب فلا يوثق به إلا بعد النظر في أدلة الشرع لمن هو أهل لذلك)[1].
إذا ثبت ما تقدم وأنه لا يمكن الاستدلال بهذه القاعدة على المراد إلا بعد البحث في عين المسألة الواقعة هل ورد دليلٌ خاصٌّ بتحريمها أو بعدم اعتبار الشرط أو لم يرد، فحينئذٍ إن ورد دليلٌ بذلك لزم اتباعه وإلا جاز العمل بالقاعدة حينئذٍ.
ويكفي في العلم بعدم وجود دليل خاصٍّ غلبة الظن بأنه ليس هناك دليلٌ يُحرِّم هذا النوع من المعاملة أو يبطل هذه الشروط، وهذه قاعدة نافعة في مجال العقود والشروط.