إذا تأملنا واقع الفروع الفقهية التي يرد فيها الغرر فإنا نجد أن هناك تصرفات لا يُغتفر فيها الغرر، فلا تصح مع وجود الغرر، وفي مقابل ذلك نجد أن الغرر قد يُغتفر في تصرفات أخرى، فتصح تلك التصرفات مع وجود الغرر فيها، ولإيضاح هذا الأمر يمكن تقسيم الغرر إلى ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: الغرر الكثير.
وهو الغرر الفاحش الذي لا تدعو إليه الضرورة أو الحاجة، وإذا كان كثيراً كذلك فلا يُعفى عنه إجماعاً، والسبب في ذلك أن الغالب يُعطى حكم المحقق، بمعنى أنه إذا كان احتمال وقوع الخطر قويّاً غالباً فإنه يؤثر في عدم صحة التصرف، ومن أمثلة ذلك:
1- تحريم بيع الحصاة، وهو أن يقول المشتري للبائع: أي ثوب وقعت عليه الحصاة التي أرمي بها فهو لي، وقيل في معناه: هو أن يقول أحد المتبايعين للآخر: إذا وقعت الحصاة من يدي فقد وجب البيع، فهذا فيه غرر كثير، وهو محرم، ومؤثرٌ في صحة التصرف.
2- تحريم بيع الملامسة، وهو أن يُعلَّق البيع بلمس الرجل للثوب دون أن ينشره وينظر إليه ويتبين ما فيه، أو يبتاع ليلاً بطريق اللمس ولا يعلم ما فيه، فهذا محرم؛ لما فيه من الغرر الفاحش الكثير، وهو مؤثرٌ في صحة التصرف.
3- تحريم بيع المنابذة، وهو أن ينبذ كل واحد من المتبايعين الثوب إلى صاحبه من غير أن يعين أن هذا بكذا، فيجب البيع في هذه الحالة بناء على هذا، وفي هذا غرر كثير فيحرم، ويؤثر في صحة التصرف.
ومثل ما تقدم تحريم بيع الطير في الهواء، وتحريم بيع المجهول.
المرتبة الثانية: الغرر القليل اليسير.
وهو الذي تدعو إليه الضرورة والحاجة، ولا يمكن القيام بالفعل إلا به، فحينئذٍ يُعفى عنه إجماعاً، بمعنى أنه إذا كان الخطر الواقع أو المحتمل وقوعه قليلاً فإنه لا يؤثر في صحة التصرف، ومن أمثلة ذلك:
1- الجهل بأساس الدار، فإن الشخص الذي يشتري بيتاً لا يعلم أساس البيت كيف هو؟، وهذا غررٌ، ولكنه يسيرٌ قليلٌ وغير مؤثر، فيُغتفر.
2- الجهل بمقدار الأجرة ومدة اللبث وقدر الماء المستعمل عند الدخول إلى حمامات الاغتسال.
فإن الغالب في الحمامات التي تستأجر للاغتسال أن لا يُعرف مقدار الماء الذي سيُسكب، ولا مقدار الوقت الذي سيبقاه المغتسل في الحمام، وهذه كلها أمور مجهولة ويُغتفر الغرر فيها لأنها يسيرة.
ومثله الجهل بمقدار الماء المسكوب في مغاسل السيارات، فإنه لا يُعرف مقداره، ومع ذلك يصح التصرف ويكون مقبولاً؛ لأنه غررٌ يسيرٌ يمكن احتماله.
3- استئجار الأجير بطعامه، وذلك أن يقول لشخصٍ: اعمل لي هذا الحائط وغداؤك وعشاؤك عليَّ، فإن مقدار ما يؤكل غير منضبط؛ لأنه لا يُعرف إذا كان سيأكل قليلاً أو كثيراً، لكنه يُغتفر.
4- بيع بعض الأشياء التي لا يُعرف ما بداخلها كالرمان والبطيخ وغيرهما، فهذه أشياء تُباع بقشرها، ولا يُعلم ما بداخلها هل هو صحيح أو فاسد، ولكنه غررٌ يسيرٌ يُعفى عنه للضرورة والحاجة.
فهذه الأمثلة التي مرت تنغمر مفاسدها فيما يحصل فيها من المصالح الراجحة، بالإضافة إلى أن الغرر قليلٌ ونادرٌ، وتقرر في الشريعة أن النادر يُعطى حكم المعدوم فلا يُلتفت إليه.
المرتبة الثالثة: الغرر المتوسط.
فليس غرراً يسيراً قليلاً، وليس غرراً كبيراً فاحشاً، وهنا نعمل فيه بمبدأ التقريب، فإذا قرب من الغرر الكبير فيعتبر كبيراً ولا يُعفى عنه ولا يصح التصرف معه، وإذا قرب من الغرر القليل فيُعتبر قليلاً ويُعفى عنه، وذلك أن ما قارب الشيء يُعطى حكمه.
كما لو اشترى شخص من آخر سلعة على أن يوفيه ثمنها بعد الحصاد أو الجذاذ، فإن الأجل هنا مجهول ولا يُعرف بعينه، والغرر هنا يقرب من الغرر القليل؛ لأنه يمكن تعيين الأجل تقريباً عن طريق العُرف، ومعروف أن الجذاذ والحصاد يكون في الوقت الفلاني.
وهذا بخلاف ما لو قال: أبيعك هذه السلعة بألف ريال أو قريبٍ منها، فالثمن مجهول، والغرر فيه يقرب من الغرر الكبير الفاحش؛ لأن المشاحة في الأثمان تكثر غالباً.
ويجدر التنبيه في ختم الكلام على هذه القاعدة إلى أنه قد يحدث خلافٌ بين العلماء في حكم حادثةٍ من الحوادث بسبب خلافٍ في تحديد مقدار الغرر: هل هو من الغرر المؤثر؟ أو من الغرر غير المؤثر؟ ومن أمثلة ذلك: اختلاف الإمام مالك مع الإمام الشافعي في بيع الجوز واللوز في قشره.
فأجازه الإمام مالك ومنعه الإمام الشافعي، والسبب اختلافهم في الغرر الواقع في هذا البيع: هل هو من الغرر المؤثر في البيوع؟ أو ليس كذلك؟
وفي هذا وقائع كثيرة يمكن أن تُلحق بهذه القاعدة.