المسألة الخامسة: المقصود من شرع النية:
علمنا أن النية عبادةٌ مشروعةٌ، وهذه النية إنما شُرعت لأمرين:
الأمر الأول: تمييز العبادات عن العادات، فمعلومٌ أن بعض الأعمال تتردد بين أن تكون عبادةً وبين أن تكون عادةً، نظراً لأن هيئتها موافقةٌ لهيئة عادةٍ متقررةٍ، فلا تتميز أنها عبادةٌ إلا بالنية. ومن أمثلة هذا: أن الاغتسال بالماء مترددٌ بين أن يكون للتنظف أو التبرد، وبين أن يكون طهارةً شرعيةً، ولا يحصل التمييز إلا بالنية.
وكذا الإمساك عن الأكل والشرب مترددٌ بين أن يكون حميةً للتداوي، أو لعدم الحاجة إليه وبين أن يكون صياماً شرعيّاً، ولا يحصل التمييز إلا بالنية.
الأمر الثاني: تمييز رتب العبادات بعضها عن بعض، فإن للعبادات كما هو معلومٌ رتباً متفاوتةً، فقد تكون فرضاً وقد تكون نفلاً، وقد تكون نذراً، وقد تكون أداءً، وقد تكون إعادةً، وقد تكون قضاءً، وكلها عباداتٌ يُتقرب بها إلى الله تعالى ولا تتميز رتبة العبادة هنا إلا بالنية.
ولذلك يُشترط في العبادات التي يلتبس بعضها ببعضٍ تعيينها بالنية، والمقصود بالالتباس هنا: أن تتساوى العبادتان فعلاً وصورةً، فحينئذٍ لا يُميَّز بينهما إلا بالتعيين في النية، وذلك كتساوي الظهر والعصر في القدْر والفرضية، وكتساوي صوم الكفارة أو النذر مع صوم القضاء في الصفة والحكم.
ويترتب على هذين الأمرين اللذين شُرعت لأجلهما النية أربعة أمور:
أولها: أن العبادة إذا كانت متميزةً بنفسها لا تلتبس بالعادة فإنها لا تحتاج إلى تمييزٍ بالنية، كالأعمال القلبية من إيمانٍ بالله تعالى وخوفٍ منه ورجاءٍ له، وذكروا كذلك قراءة القرآن، والأذكار، والأذان، فهي متميزةٌ بصورتها لا تحتاج إلى نيةٍ.
ثانيها: أن العبادة إذا كانت متميزةً بنفسها لا تلتبس بعبادةٍ أخرى فإنه لا يُشترط فيها تمييزها بالنية، وذلك كالحج والعمرة، وصوم رمضان؛ لأنه لو عيَّن غيرها انصرف إليها، فيكفي فيها مطلق النية.
ثالثها: أنه لو أخطا المكلف في نية العبادة التي يُشترط لها تعيين النية فإنها تبطل، وذلك كمن أراد أن يصلي الظهر في وقت الظهر فنوى العصر، فإنها لا تصح ظهراً، ولا تصح عصراً؛ لأنه قبل دخول وقته.
وأما لو أخطا في نية ما لا يُشترط فيه تعيين النية فإنه لا يضره خطؤه هذا، وذلك كمن نوى حج النافلة وهو لم يؤد الفرض فإنه يقع عن حج الفرض، أو نوى صوم قضاءٍ أو نافلةٍ في رمضان فإن صيامه يقع عن رمضان، ولا يضره خطؤه.
رابعها: أن العادات قد تصبح عباداتٍ بالنية فيحصل الثواب عليها، وذلك كما في المباحات من الأكل والشرب والنوم والاكتساب إذا قصد بها التقوِّي على طاعة الله تعالى، وكذا النكاح إذا قصد به إعفاف نفسه أو تحصيل الولد الصالح وتكثير الأمة، أو طلب العلم لنفع النفس برفع الجهل ونفع الناس أو تحصيل الوظيفة التي يسد بها حاجته وينتفع به فيها مجتمعه.