المسألة الخامسة: مكانة هذه القاعدة:
بناء على أهمية هذه القاعدة وكبير أثرها في المعاملات المالية، وخاصةً المعاصرة منها فقد سجل الكثير من الباحثين إعجابهم بهذه القاعدة، فمن ذلك ما أورده الشيخ محمد أبو زهرة من إيضاحٍ لمكانتها، حيث قال: (أحكام الشروط المقترنة بالعقود هو بابٌ كان أحمد فيه أوسع الفقهاء صدراً وأكثرهم قبولاً للشروط وأقربهم إلى القوانين الحديثة ومسايرة روح العصر الحاضر ولقد رأينا أحمد يتوسع في العقود توسعاً ما كنا نحسب أنه سبق الفقه الحديث إليه)[1].
ويقول الشيخ مصطفى الزرقا في هذا الشأن أيضاً: (هذا الاجتهاد الحنبلي وما على أساسه وغراره في فهم نصوص الشريعة حول مبدأ سلطان الإرادة العقْدية لا ينقضي منه إعجاب المتأمل، وهو الاجتهاد الجدير بالخلود، فهو في باب العقود والشروط كالأفق الفسيح، واسعٌ محدود، ولكن حدوده هي الطبيعة نفسها، ولا سيما إذا عرفنا أن مبدأ سلطان الإرادة الذي قرره الاجتهاد الحنبلي منذ اثني عشر قرناً استنباطاً من نصوص الشريعة الإسلامية الخصيبة وأصولها المحكمة الواضحة، لم تكن لتعرفه أو تفهمه الشرائع العالمية والفقه الروماني، ولم تنتهِ إليه الأفكار التشريعية والاجتماعية في أوربا إلا منذ قرنين... مع أن الإمام أحمد صاحب المذهب... معدودٌ من فقهاء مدرسة الحديث لا من مدرسة الرأي)[2].
فواضحٌ أن أثر هذه القاعدة لا يقف عند حد استحداث معاملةٍ من المعاملات التي لم تكن معروفةً من قبل، بل يجوز الاستفادة من المعاملة الحديثة التي هي من نتاج غير المسلمين فيقبل منها ما ليس فيه مصادمةٌ للشرع نصّاً أو قياساً وقد يعدَّل بعضها ويرفض بعضها الآخر، وإن كان من الأفضل أن يطور المسلمون لأنفسهم معاملاتٍ نابعةً من تصورهم الخاص وفكرهم الأصيل، فابتكار معاملة أحسن من تبني معاملة ومحاولة توفيقها وتكييفها[3].