حجم الخط:


المسألة الرابعة: الأدلة على القاعدة:

دل على هذه القاعدة أدلةٌ من المنقول والمعقول، أما أدلة المنقول، فقد دل على هذه القاعدة القرآن والسنة والإجماع.

أولاً: الأدلة من القرآن على القاعدة:

1- قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ ﴾ [يُونس: 36].

ووجه الدلالة من الآية: أن مما فُسِّر الظن به أنه الحالة التي لا يقع بها علمٌ بحقيقة الشيء ولا بصحته، وواقع هذه الحالة أنه حال شكٍّ وريبةٍ، وقد دلت الآية على أن هذه الحالة لا تغني عن اليقين ولا تقوم في شيءٍ مقامه، فدل على أن الشك لو قابل اليقين لا يقوى على معارضته، بل يبقى الحكم لليقين.

2- قوله تعالى: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ [النّجْم: 28].

ووجه الدلالة من الآية: أنه قد فُسِّر الظن هنا بالتوهم، وقد علمنا أن الوهم قد يُطلق عليه الظن الفاسد، وقد بيَّنت الآية أن هذا التوهم لضعفه لا يغني عن الحق، فدل على أن التوهم لو قابل اليقين فإنه لا يقوى على معارضته، بل يبقى الحكم لليقين أيضاً.

ثانياً: الأدلة من السنة: استُدل على هذه القاعدة بأدلةٍ من السنة منها ما يأتي:

1- ما ورد أنه شُكي إلى النبي ﷺ الرجلُ يُخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال ﷺ: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً»[1].

ووجه الدلالة من هذا الحديث هو ما ذكره النووي بقوله: (وهذا الحديث أصلٌ من أصول الإسلام وقاعدةٌ عظيمةٌ من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يُحكم ببقائها على أصولها، حتى يُتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها)[2].

2- قوله ﷺ: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فاشكل عليه: أخرج منه شيءٌ أم لا، فلا يخرجنَّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً»[3].

ووجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ أرشد في حال التردد في وجود الحدث في الصلاة بعد الدخول فيها بطهارةٍ متيقنةٍ أرشد إلى أن على المسلم أن يبقى في صلاته، ولا يضره هذا الشك الطارئ، مما يدل على أن اليقين لا يزول بالشك.

وهذا الحديث وإنْ ورد في مسألةٍ خاصةٍ، وهي الشك في ناقض الوضوء، لكن العلماء عمَّموا حكمه في جميع المسائل التي يجتمع فيها يقينٌ وشك.

3- قوله ﷺ: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدرِ كم صلى ثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك، وليبنِ على ما استيقن...»[4].

ووجه الدلالة منه: أن المقصود من القاعدة هو البناء على اليقين وطرح الشك، وهذا هو ما نص عليه هذا الحديث صراحةً.

4- قوله ﷺ: «إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدرِ: واحدةً صلى أو اثنتين؟ فليبنِ على واحدة، فإن لم يدرِ ثنتين صلى أو ثلاثاً؟ فليبنِ على ثنتين، فإنْ لم يدرِ ثلاثاً صلى أو أربعاً؟ فليبنِ على ثلاثٍ، وليسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم»[5].

ووجه الدلالة منه: أن الحديث صريحٌ في أن الخروج من الشك في عدد الركعات في الصلاة يكون بالأخذ باليقين، والأخذ باليقين هنا يكون باعتبار الأقل في العدد وما زاد عليه يُعد في حكم المعدوم؛ للشك في وجوده، وهذا أصلٌ ينبغي اعتماده في كل شكٍّ في عددٍ في أمر الفرائض.

ثالثاً: دليل الإجماع: فقد أجمع العلماء على أصل العمل بهذه القاعدة، وإنِ اختلفوا في بعض تفصيلاتها، قال القرافي: (... فهذه قاعدةٌ مجمعٌ عليها، وهي أن كل مشكوكٍ فيه يُجعل كالمعدوم الذي يُجزم بعدمه)[6]، واستقصاء كتب الفقه في المذاهب كلها يدل على تحقق هذا الإجماع.

وأما الدليل من المعقول على هذه القاعدة فهو: أن اليقين أقوى من الشك كما هو معلومٌ، فلا يصح عقلاً أن يرتفع اليقين القوي بالشك الضعيف.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة