المسألة الرابعة: الأدلة على هذه القاعدة:
تضافرت الأدلة من القرآن والسنة في الدلالة على معنى هذه القاعدة، والمقصود بهذه الأدلة ما كان منها دالّاً على التيسير عند وجود العذر الطارئ، وهي أدلةٌ تفيد بمجموعها معنًى عامّاً، وهو: مشروعية الترخص عند وجود المشقة التي رُبطت بأسبابٍ معيَّنةٍ يدل وجودها على تحقق المشقة المعتبرة شرعاً.
وهذه الأدلة تؤيدها في العموم أدلة التيسير الأصلي الذي بُنيت عليه هذه الشريعة، وقد تقدمت الإشارة إلى شيءٍ منها، والأدلة التي يمكن أن تذكر في هذا المقام هي على النحو الآتي:
أولاً: الأدلة من القرآن: ومن هذه الأدلة:
1- قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٨٣ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ۚ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ١٨٤ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٨٥ ﴾ [البَقَرَة: 183- 185].
ووجه الدلالة: أن الله تعالى أباح لمن لحقته مشقةٌ مع التكليف بالصوم في حال المرض أو السفر أن يُفطر ويقضي بعد ذلك.
2- قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ ﴾ [النِّسَاء: 101].
ووجه الدلالة: أن الله تعالى أباح للمسلمين في حال المشقة المتمثلة في الخوف عند القتال أن يقصروا الصلاة ويُغيِّروا نظمها.
3- الآيات الدالة على جواز الأخذ بالأيسر والأسهل في حال الوقوع في الضرورة، ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [المَائدة: 3].
ووجه الدلالة: أن الله تعالى أباح لمن لحقته مشقةٌ متمثلةٌ في ضرورة الهلاك جوعاً أن يأكل الطعام المحرم كالميتة.
4- قوله تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النّحل: 106].
ووجه الدلالة: أن الله تعالى أباح لمن وقع في مشقة الإكراه على الكفر أن يتلفظ بكلمة الكفر في الظاهر مع اطمئنان قلبه بالإيمان.
5- قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ [النِّسَاء: 43].
ووجه الدلالة: أن الله تعالى شرع التيمم بالتراب بدلاً عن الاغتسال بالماء في حال عدم وجدانه أو العجز عن استعماله، وبيَّن أن ذلك فيه تيسيرٌ وتخفيفٌ، مما يدل على أن التيسير يُراعى عند تحقق المشقة.
ثانياً: الأدلة من السنة: ومن هذه الأدلة:
1- قوله ﷺ: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه»[1] ووجه الدلالة: أن المؤاخذة بما يحصل خطأً أو نسياناً أو إكراهاً يترتب عليه لحوق المشقة بالمكلف، لذا لم يؤاخذ الشرع بموجب التصرف في هذه الأحوال تيسيراً وتخفيفاً، مما يدل على أن حصول المشقة يعد سبباً في التيسير.
2- ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء من غير خوفٍ ولا مطر. فلما سُئل ابن عباسٍ عن ذلك قال: أراد أن لا يُحرج أمته[2].
ووجه الدلالة من هذا: أن هذا يدل على أن الجمع بين الصلاتين لعذر الخوف والمطر متقررٌ عند الصحابة، وأيّاً كان السبب في جمع النبي ﷺ بين الصلاتين في هذا الحديث فإنه يدل على أن الجمع ملاحظٌ فيه دفع الحرج والمشقة - كما فهم ذلك ابن عباسٍ - مما يدل على أن تحقق المشقة في أمرٍ من الأمور داعٍ إلى التيسير والتخفيف.
وغير ذلك من الأدلة كثيرٌ في هذا المعنى وبخاصةٍ الأدلة التي وردت في مناسباتٍ جزئيةٍ.