المسألة السادسة: أسباب الخروج من الخلاف وشروطه:
ترجع أسباب الخروج من الخلاف إلى سببٍ واحدٍ، وهو الاحتياط والورع.
والاحتياط يُعرَّف بأنه الاحتراز من الوقوع في ترك أمرٍ مأمورٍ به أو فعل أمرٍ منهيٍّ عنه عند الاشتباه.
والورع يقرب من معنى الاحتياط، واستعمالات العلماء له تشير إلى التوقي والاحتراز والاجتناب ونحوها، ولذا سوَّى كثيرٌ من العلماء بينهما.
وحيث تقدم معنا أن مجال إعمال هذه القاعدة ينحصر فيما كان قبل الوقوع فإن السائغ أن يكون الاحتياط هو سبب الفعل أو الترك، وإنما يسوغ الاحتياط عندما يحصل الاشتباه، ولا شك أن خلاف العلماء في مسألةٍ ما يعد شبهةً؛ من جهة أن كل عالمٍ قد اعتمد على دليلٍ له اعتباره، فيحصل التعارض بين دليلين أو أكثر فيميل المفتي إلى الأخذ بالاحتياط، فيراعي ذلك الخلاف ويسعى للخروج منه، يدفعه لذلك إرادة السلامة للدين، والابتعاد عما يُخشى تبعته، ولذلك فإن ابن السبكي قد جعل قاعدة (الخروج من الخلاف مستحبٌّ) من القواعد المتشعبة من الاحتياط، المبنية على عموم أدلته.
وإذا تقرر هذا فإنه يشترط للأخذ بهذه القاعدة وإعمالها شروط هي:
الشرط الأول: أن يكون دليل المخالف ومأخذه قويّاً.
وذلك بأن يستلزم هذا الدليل وذلك المأخذ وقوف الذهن عنده، وله قوةٌ أورثت في النفس شبهةً، فناسب توقيها بالتزام الأحوط والأبعد عن مظنة الإثم، حذراً من كونه هو الصواب.
وبناءً عليه فلو كان الدليل والمأخذ ضعيفاً لم يُراعَ، لأنه فقد تلك الأهلية، وأصبح القول المبني عليه معدوداً من الهفوات لا من الأقوال المعتبرة.
الشرط الثاني: أن يكون في المسألة شبهةٌ قويةٌ.
وذلك بأن لا يتبين وجه الحق فيها بجلاء، وأما إذا لم يكن في المسألة اشتباهٌ لدى المجتهد أو غيره من طالبي الحكم في المسألة، بحيث يكون دليل القول الراجح صحيحاً صريحاً سالماً عن المعارض فإنه يصبح الأخذ بالاحتياط والميل إلى القول الآخر طلباً للسلامة لا معنى له؛ إذ قد تبين أنه خطأٌ قطعاً، لعدم استناده إلى الدليل المعتبر، ومعارضته للدليل الصحيح.
الشرط الثالث: أن لا يؤدي الخروج من الخلاف إلى مخالفة الكتاب والسنة.
وذلك أن كل مخالفة للكتاب والسنة باطلةٌ، فما أدى إليها فهو باطلٌ، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والاحتياط حسنٌ ما لم يُفضِ بصاحبه إلى مخالفة السنة، فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك هذا الاحتياط)، ويقول ابن السبكي ذاكراً ما يشترط للخروج من الخلاف: (أن لا يؤدي الخروج منه إلى محذورٍ شرعيٍّ من ترك سنةٍ ثابتةٍ أو اقتحام أمرٍ مكروهٍ أو نحو ذلك).
الشرط الرابع: أن لا يودي الخروج من الخلاف إلى خرق الإجماع.
وذلك لأن الإجماع حقٌّ وما خالفه باطلٌ، ومن الأمثلة على هذا الشرط: ما نُقل عن ابن سريجٍ أنه كان يغسل أذنيه مع الوجه في الوضوء ثلاثاً، ويمسحهما مع الرأس، ويُفردهما بالغَسل ثلاثاً، وذلك مراعاةً لمن قال إنهما من الوجه ولمن قال إنهما من الرأس ولمن قال إنهما عضوان مستقلان.
وهو بهذا قد وقع في خلاف الإجماع؛ إذ لم يقل أحدٌ بالجمع بين هذه الأعضاء في الوضوء[1].
الشرط الخامس: أن يكون الجمع بين المذاهب ممكناً.
وذلك أنه إذا لم يمكن الجمع بين المذاهب عند إرادة الخروج من الخلاف فإنه يتعين العمل بما يوجبه الدليل الشرعي، ولا يُترك الراجح عند معتَقَدِه لمراعاة المرجوح - بل يجب عليه اتباع ما غلب على ظنه، ويحرم عليه العدول عنه، ومن أمثلة ذلك: أن الجهر بالبسملة عند قراءة الفاتحة في الصلاة هو السنة عند الشافعي، وعند أبي حنيفة وأحمد الإسرار هو السنة، وعند مالكٍ الترك بالكلية، وعلى هذا فإنه لا يمكن الخروج من خلافهم جميعاً[2].
الشرط السادس: أن لا يوقع الخروج من الخلاف في خلافٍ آخر.
لأنه لا يحصل بهذا الخروج من الخلاف مطلقاً؛ ومن أمثلته: أن الحنفية يرون أن صلاة الوتر ثلاث ركعاتٍ لا يفصل بينها بسلامٍ، والجمهور على أن له أن يفصل.
وذهب بعض الشافعية إلى أن الفصل مكروهٌ، وذلك خروجاً من خلاف الحنفية، فاستحبوا له أن يصل الركعات الثلاث.
إلا أن هذا الخروج من الخلاف يوقع في خلافٍ آخر، وهو قولٌ لبعض الشافعية بعدم جواز الوصل، ووجوب الفصل بين الركعات الثلاث، فليس الاحتياط بالخروج من خلاف أولئك بأولى من الخروج من خلاف هؤلاء.