حجم الخط:

ثانياً: تعريف القواعد الفقهية باعتبارها لقباً:

من المهم التنبيه هنا إلى أن العلماء الذين أفدنا من تعريفاتهم للفظ (القاعدة) فيما سبق لم يكن غرضهم أن يذكروا تعريفاً خاصّاً بالقواعد الفقهية، وإنما كان غرضهم تعريف لفظ (القاعدة) اصطلاحاً بغض النظر عن تقييدها بقيد علمٍ معيَّنٍ.

وإذا أردنا أن نصل إلى تعريفٍ خاصٍّ للقواعد الفقهية بمعناها اللقبي فإنا لا نجد إلا نفراً قليلاً من العلماء المتقدمين يعتني بهذا التعريف، إضافةً إلى بعض المعاصرين. فمن المتقدمين لا نجد إلا تعريفاً لأبي عبد الله المقري المالكي (ت 758هـ)، وتعريفاً آخر لشهاب الدين الحموي الحنفي (ت 1098هـ)، وكلاهما لا يخلو من نظرٍ.

فأما تعريف أبي عبد الله المقري المالكي فهو أن القاعدة الفقهية هي: (كل كليٍّ أخص من الأصول وسائر المعاني العقلية العامة، وأعم من العقود وجملة الضوابط الفقهية الخاصة)[1].

وأما تعريف الحموي فهو أن القاعدة الفقهية (حكمٌ أكثريٌّ، لا كليٌّ، ينطبق على أكثر جزئياته لتُعرفَ أحكامها منه)[2].

وهذان التعريفان لا يخلوان من النقد والمناقشة؛ أما تعريف المقري فيرد عليه ما يأتي:

1- اشتمال تعريفه على نوعٍ من التعميم والإبهام، فهو لا يُصوِّر القاعدة الفقهية في الذهن تصويراً واضحاً، ومما يؤيد هذه الملاحظة اختلاف بعض العلماء والباحثين المعاصرين في تفسيره وشرحه.

2- أن القدْر المتوسط الذي وصف به المقري القاعدة الفقهية لا يمكن قياسه بمقياسٍ محددٍ متفقٍ عليه حتى تستقل به القاعدة الفقهية عن الأصول العامة والضوابط الخاصة[3].

وأما تعريف الحموي فيرد عليه ما يأتي:

1- أنه وصف القاعدة بأنها (حكمٌ) والأولى كما ذكرنا أن توصف بأنها قضيةٌ.

2- أنه قد جعل من سمات القواعد الفقهية أنها أكثرية، وأكَّد هذا بوصفها بأنها تنطبق على أكثر جزئياتها. وقد تقدم لنا أنْ قرَّرنا أن القاعدة لا بد أن تكون كليةً أيّاً كان نوعها، وتقدم لنا تفسير كونها كليةً، وأما تقييدها بأنها أكثريةً أو أغلبيةً فالسبب في هذا يمكن إرجاعه إلى ما يكون قد تقرَّر عند بعض العلماء من أن القواعد لا تخلو من المستثنيات، وإذا كان الأمر كذلك فإن القاعدة تنطبق على أكثر جزئياتها لا كلها، فهي إذاً أكثريةٌ أغلبيةٌ لا كليةٌ.

وتقييد القاعدة بكونها أكثريةً لأجل هذا السبب يمكن الجواب عنه ودفعه من وجهين:

الوجه الأول: أن كثيراً من القواعد لا بد له من شروطٍ مع مراعاة انتفاء موانع إعماله، ولو تتبعنا أكثرَ ما يُذكرُ أنه مستثنى من القواعد لوجدنا أنه إما لم ينطبق عليه شرط القاعدة، أو أنه وُجد مانعٌ يمنع من دخوله تحت نص القاعدة، فما يُذكر أنه من مستثنيات القواعد ينبغي التأمل فيه إذ ربما فقد شرطاً من شروط القاعدة أو وُجد ما يمنع من دخوله تحتها، فحينئذٍ لا يعد داخلاً في الأصل تحت نص القاعدة حتى يُقال: إنه من مستثنياتها، وهذا الأمر ينطبق على جميع القواعد، وليس على القواعد الفقهية وحدها.

الوجه الثاني: أنا لو سلمنا بان هناك ما يُمكن أن يكون من مستثنيات القواعد فإننا لا نسلم أنه يقدح في كلية القاعدة؛ لأن الأمر الكلي إذا ثبت، فإن تخلف بعض جزئياته عن مقتضى هذا الكلي لا يُخرجه عن كونه كليّاً إلا في الكليات العقلية[4].

3- أنه ذكر في تعريفه ما يعد ثمرةً للقاعدة الفقهية، وهو: تعرُّفُ أحكام الجزئيات من القاعدة، وهذا كما تقدم يعد ثمرةً للقاعدة الفقهية وليس جزءاً من حقيقتها.

وأما المعاصرون فقد اختلفت ألفاظهم في تعريف القواعد الفقهية، وفي غالبها لا تخلو من المناقشات التي وردت على تعريفي المقري والحموي[5]، إلا أننا هنا نرجح ما ذكره شيخنا الدكتور يعقوب الباحسين من تعريفٍ للقاعدة الفقهية بأنها: قضيةٌ كليةٌ فقهيةٌ، جزئياتها قضايا كليةٌ فقهيةٌ[6].

وبناءً عليه يكون تعريف القواعد الفقهية باعتبارها لقباً لعلْمٍ معيَّنٍ أنه: القضايا الكلية الفقهية التي جزئيات كل قضيةٍ فيها تمثِّل قضايا كليةً فقهيةً.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة