حجم الخط:

[الرد على ذلك القول]

ونردُّ على ذلك بثلاثةِ ردودٍ:

الأولُ: ردٌّ مشتركٌ على القولين لإبطالِ القولِ بالصَّرْفَةِ عامةً.

والثاني: ردٌّ على مذهبِ النَّظَّامِ.

والثالثُ: ردٌّ على مذهبِ المرتضى.

أمَّا الردُّ العامُّ على القولِ بالصَّرْفَةِ: فإنَّا نقولُ: إنه يلزمُ من القولِ بالصَّرْفَةِ أنَّ الإعجازَ ليسَ في القرآنِ ذاتِه، وإنَّما في غيرِه، وهو عدمُ استطاعتِهم، فالقرآنُ بزعمِهم ليس معجزًا، إنما الإعجازُ في المنعِ، وهذا باطلٌ.

قالَ أبو بكرٍ الباقلانيُّ: (وممَّا يبطلُ القولَ بالصَّرْفَةِ أنَّه لو كانتِ المعارضةُ ممكنةً، وإنَّما منعَ منها الصرفةُ، لم يكنِ الكلامُ معجزًا، وإنَّما يكونُ المنعُ معجزًا، فلا يتضمنُ الكلامُ فضيلةً على غيرِهِ في نفسِهِ)[1].

ونقولُ أيضًا: إنَّ ديوانَ العربِ محفوظٌ شعرُه ونثرُه، وليسَ فيه قبلَ أنْ يُسْلَبُوا الاهتمامَ بالإتيانِ بمثلِه، أو تُسْلَبَ منهم العلومُ كما يزعمُ هؤلاء وأولئك -ما يماثلُ القرآنَ أو يدانِيه.

أمَّا الردُّ على النَّظَّامِ ومن معه: فإنَّا نقولُ: كيف يصحُّ القولُ: إن همتَهم لم تتجهْ للإتيانِ بمثلِ القرآنِ، وهم الذين لم يتركوا سبيلًا للقضاءِ على دعوةِ محمدٍ ، وسلكوا كلَّ طريقٍ شاقٍّ، حاربُوه، وناوَءُوه، وقاطعُوه، وآذَوْه مع إبطالِهِ لمعتقداتِهم، وإثارتِه لحفيظتِهم، واستفزازِه لمشاعرِهم، وإلهابِه لغيرتِهم، وأصابَ موضعَ عزتِهم وفخارِهم، وقدْ مَكَّنهم منْ نفسِه لوِ استطاعُوا، فدعاهم وتحدَّاهم أن يأتوا بمثلِ سورةٍ منَ القرآنِ، ولو كانَ فيهم أدنى قدرةٍ، أو عرفُوا أحدًا يملكُها في أقصى الأرضِ، لبعثُوا إليه، كما بعثوا لليهودِ يسألونهم عمَّا يسألون محمدًا عنه ليحرجُوه، فلا يصحُّ بعد هذا أن يقالَ: إن همتَهم لم تتجهْ للإتيانِ بمثلِه.

وأمَّا الردُّ على المرتضى ومن معه: ففي قولِه تعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88].

وفي هذا دليلٌ على أنَّ عجزَهم كانَ مع بقاءِ قدرتِهم، ولو لم يكنْ عندَهم قدرةٌ لما صحَّ تحدِّيهم، إذ لا يصحُّ لأحدٍ أنْ يتحدَّى الموتى، إذ ليسَ عجزُ الموتَى مما يُحْتَفَلُ بذكرِه[2]، كما لا يصحُّ أن يتحدَّى المبصرُ الأعمى، وإنما يصحُّ التحدِّي إذا تحدَّى مَن يملكُ البصرَ، أما إذا سُلِبَ البصرَ لم يصحَّ تحدِّي مثلِه، كما أنَّ قولَه تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا يدلُّ على وجودِ القدرةِ؛ لأنَّ المعاونةَ والمظاهرةَ إنما تكمنُ مع القدرةِ، ولا تصحُّ مع العجزِ والمنعِ[3].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة