يدركُ رجالُ التربيةِ أنَّ أقوى أساليبِ التربيةِ نفاذًا إلى القلوبِ، وتأثيرًا في النفوسِ ما عرضَ في أسلوبٍ قصصيٍّ يحملُ على المشاركةِ الوجدانيةِ للأشخاصِ والتأثرِ بالأحداثِ، والتفاعلِ مع المواقفِ.
ومن هنا كان الترابطُ الوثيقُ بين الوسائلِ والأهدافِ في مناهجِ التربيةِ، فبحيويةِ العرضِ في القصةِ الموجهةِ، وقوةِ التخييلِ والتصويرِ فيها، وتهيئةِ اللحظةِ الحاسمةِ التي تبلغُ فيها حرارةُ الانفعالِ النفسيِّ درجةَ الانصهارِ، يحصلُ من التَّأثرِ بالتَّوجيهِ التَّربويِّ ما لا يحصلُ عند إقحامِ ذلكَ التوجيهِ على النفسِ وهي في راحتِها واسترخائِهَا[1].
ويفيدُ التحليلُ النفسيُّ للعاداتِ الفاسدةِ أنها تبطلُ وتزولُ بمجردِ اقتلاعِ العقدةِ، مثل ما يزولُ المفعولُ الكهربائيُّ بانقطاعِ التيارِ[2]؛ فلم يبدأ الرسولُ ﷺ بنهيهِم عن عادةِ شربِ الخمرِ أوِ الزِّنا مثلًا، بل اقتلعَ من قلوبِهم عقدةَ الشركِ، فانقادُوا لتركِ تلك العاداتِ السيئةِ وغيرِهَا[3].
لذلك أقامَ القصصُ القرآنيُّ منهجَهُ على العقيدةِ بنبذِ عقيدةِ الشركِ، وغرسِ عقيدةِ الإيمانِ باللهِ وحدَه، وبذلكَ وحدَه يقتلعُ الإنسانُ منْ نفسِهِ عاداتِهِ الفاسدةَ، وينقادُ لمبادئِ الإسلامِ الصحيحةِ.
ويُذْكَرُ الإيمانُ في القرآنِ متبوعًا في الغالبِ بعملِ الصالحاتِ كنتيجةٍ حتميَّةٍ له؛ لأنَّ الإيمانَ ليس في الحقيقةِ مجردَ شعورٍ عن علمٍ ومعرفةٍ، ولكنَّهُ تكييفٌ للإنسانِ في صلتِهِ بربِّهِ، وتدبيرِهِ لنفسِهِ، وعلاقتِهِ بغيرِهِ[4].
فالإيمانُ سموٌّ بالنفسِ، واتِّصالٌ باللهِ، وتكوينٌ للشخصيةِ المتزنةِ التي تعملُ جميعُ طاقاتِهَا الجسميةِ والفكريةِ والروحيةِ في اعتدالٍ وتوازنٍ؛ لأنَّ لصاحبِهَا قوةً منظمةً لاندفاعاتِهِ الفطريةِ، ومُهَذِّبةً لغرائزِهِ الحيوانيةِ، وموجهةً له نحو المثلِ العليَا.
وتلكَ هي الشخصيةُ المتكاملةُ كما يسميها علماءُ التربيةِ (وهي التِي يتَّسمُ سلوكُهَا وتصرفاتُهَا ودوافعُهَا بالاتزانِ الانفعاليِّ)[5].