ذكرْنا آنفًا أنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم كانوا عَرَبًا خُلَّصًا يفهمونَ القرآنَ، ويُدركُون معانيَهُ ومراميَهُ بمقتضى سليقتِهم العربيةِ فهمًا لا تُعكِّره عُجمةٌ، ولا يُشوهُه شيءٌ من قبحِ الابتداعِ وتَحَكّمِ العقيدةِ الزائفةِ[1].
وإذا خفيَ عليهم معنًى، أو دَقَّ عليهم مرمًى، رجعوا إلى الرسولِ ﷺ، فبينَ لهم ذلك ووضحَهُ، وإن لم يتيسرْ لهم ذلك، رجعوا إلى اجتهادِهم، وكانَ التفاوتُ بينهم واضحًا في هذه الرُّتبةِ، فكان بعضُهم يرجعُ إلى بعضٍ، إذ التفاوتُ بينهم راجعٌ إلى التفاوتِ في قوةِ الفهمِ والإدراكِ، والتفاوتِ فيما أحاطَ بالآيةِ من ظروفٍ وملابساتٍ، بلْ كانوا يتفاوتون في معرفةِ المعانِي التي وُضِعَتْ لها المفرداتُ، فمنْ مفرداتِ القرآنِ ما خفيَ معناه على بعضِ الصحابةِ[2]، وظهرَ لآخرين منهم، ولا ضيرَ في هذا، فإنَّ اللغةَ وإنْ أحاطَ بها مجموعُ أهلِهَا، فإنَّه لا يُحيطُ بها كلُّ فردٍ من أهلِها، فقد خفيَ على عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه معنَى الأبِّ في قولِه تعالى: ﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴾ [عبس: 31]، ومعنى التَّخَوُّفِ في قولِه تعالى: ﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ ﴾ [النحل: 47] حتَّى قالَ له رجلٌ من هُذَيْلٍ: التخوفُ عندنا التَّنَقُّصُ[3].
ووردَ عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّهُ قالَ: «كنتُ لا أدرِي ما فاطرُ السمواتِ، حتَّى أتانِي أعرابيَّان يختصمان في بئرٍ، فقالَ أحدُهما: أنا فطرْتُهَا يقولُ: أنا ابتدأْتُها»[4].
وهذا عديُّ بنُ حاتمٍ رضي الله عنه لم يفهمِ المرادَ بقولِه تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ﴾ [البقرة: 187]، فكانَ يجعلُ عندَ رأسِهِ عقالًا أبيضَ وعقالًا أسودَ، حتَّى بينَ له الرسولُ ﷺ المرادَ[5].