الفرقُ بين العامِّ والخاصِّ والمطلقِ والمقيدِ:
يبحثُ الأصوليون المطلقَ والمقيدَ في كتابِ العامِّ والخاصِّ.
قالَ القرافيُّ: (وإنما وضعَ الأصوليون حملَ المطلقِ على المقيدِ في كتابِ الخصوصِ والعمومِ؛ بسببِ أنَّ المطلقَ هو (قسيمُ) العامِّ والتقييدَ (قسيمُ) الخاصِّ.
وهذه الأقسامُ تلتبسُ جدًّا على كثيرٍ من الفضلاءِ، وربما اعتقدوا المطلقَ عامًّا.. والتبسَ التقييدُ بالتخصيصِ...)[1].
وقالَ في موضعٍ آخرَ: (إن مدلولَ المطلقِ فائتٌ ومتعذرٌ، ولم أرَ أحدًا تعرضَ لذلك، بل يسوونَ في الأصولِ والفروعِ بين هذه المثلِ، ويجعلون البحثَ واحدًا، وليسَ كذلك)[2].
وقالَ عن العمومِ: (اعلمْ أنَّ مسمَّى العمومِ في غايةِ الغموضِ والخفاءِ، ولقد طالبتُ بتحقيقِه جماعةً من الفضلاءِ، فعجزوا عن ذلك)[3].
ومع هذا فقد عقدَ في كتابِه: (العقدِ المنظومِ في الخصوصِ والعمومِ) بابًا خاصًّا في الفرقِ بين العامِّ والمطلقِ[4]، إضافةً إلى ذكرِه الفروقَ بينَهما في تعريفِه للعامِّ، ومن أظهرِ الفروقِ:
أن المطلقَ يقتصرُ بحكمِه على فردٍ من أفرادِه دون الجميعِ كإعتاقِ الرقبةِ، فإنه إذا أعتقَ رقبةً لا يلزمُه إعتاقُ الباقي، أما العمومُ فإنَّ حكمَه يعمُّ جميعَ أفرادِه بالتساوي، فإذا قتلْنا مشركًا ثم وجدْنا آخرَ، وجبَ قتلُه أيضًا[5].
بمعنى أن الحكمَ في العامِّ يثبتُ لكلِّ أفرادِه، أما المطلقُ فيثبتُ لأحدِ أفرادِه بلا تخصيصٍ، فإذا قامَ في أحدِها، انقطعَ عن الباقي.
فإن قلتَ: هذا هو التخصيصُ.
قلتُ: لا، فإن التخصيصَ قبله عمومٌ، ثم خرجَ بعضُ أفرادِه، وأما المطلقُ فالمرادُ به بعضُ أفرادِ العامِّ من أولِ الأمرِ.
فإذا قالَ رجلٌ: كلُّ زوجةٍ لي فهي طالقٌ.
فهذا اللفظُ عامٌّ يوجبُ طلاقَ زوجاتِه جميعًا.
وإذا قالَ: كلُّ زوجةٍ لي فهي طالقٌ إلا فلانةً.
فهذا تخصيصٌ يوجبُ استثناءَها من الطلاقِ بعد أن كانَ الحكمُ يشملُها.
وإذا قالَ: إحدى زوجاتي طالقٌ.
فهذا لفظٌ مطلقٌ يوجبُ طلاقَ إحدى زوجاتِه دونَ البقيةِ، فإذا طُلِّقَتْ واحدةٌ سلمتِ الأخرياتُ.
وإذا قالَ: زوجتي الوسطى أو الكبيرةُ أو الصغيرةُ طالقٌ.
فهذا تقييدٌ يوجبُ طلاقَها بعينِها من أولِ الأمرِ، ومن غيرِ أن يشملَ غيرَها، واللهُ أعلمُ.