أولُ ما نزلَ سورةُ المدثِّرِ:
ودليلُ هذا القولِ الحديثُ الذي رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ، عن أبِي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ أنَّهُ قالَ: سألتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ: أيُّ القرآنِ أُنزلَ قبلُ؟ قالَ: يا أيها المدثر.
فقلْتُ: أو اقرأْ؟ قالَ جابرٌ: أحدِّثُكم ما حدَّثَنا به رسولُ اللهِ ﷺ، قالَ: «جاورتُ بحراءٍ شهرًا، فلمَّا قضيتُ جواري نزلْتُ فاستبطَنْتُ بطنَ الوادِي فنُودِيتُ، فنظرْتُ أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، فلم أرَ أحدًا، ثم نُودِيتُ فنظرْتُ فلم أرَ أحدًا، ثم نُودِيتُ فرفعْتُ رأسي، فإذا هو على العرشِ في الهواءِ -يعنِي: جبريلَ عليه السلام- فأخذتْنِي رَجفةٌ شديدةٌ، فأتيتُ خديجةَ، فقلتُ: دثِّروني، فدثَّرُوني، فصبُّوا عليَّ ماءً، فأنزلَ اللهُ D: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١ قُمْ فَأَنْذِرْ ٢ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ٣ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ٤ ﴾»[1].
وأُجِيبَ عنْ هذا الحديثِ:
1- أنَّ المرادَ بالأوَّليَّةِ في هذا الحديثِ أوَّليَّةٌ مخصوصةٌ، وليستْ أوليةً مُطلقةً[2]، فيحتملُ:
أ- أنَّ المرادَ أولُ سورةٍ نزلتْ بعدَ فترةِ الوحيِ، ويشهدُ لهذا قولُ جابرٍ في روايةٍ أخرى: «سمعْتُ النبيَّ ﷺ وهوَ يحدثُ عنْ فترةِ الوحيِ...» الحديثَ[3].
ب- أنَّ أولَ ما نزلَ للنبوةِ سورةُ اقرأْ، وللرسالةِ سورةُ المدثرِ.
جـ- أنَّ المدثرَ أولُ سورةٍ كمُلَ نزولُها، أي: أنَّ باقيَها نزلَ قبلَ نزولِ بقيةِ سورةِ اقرأْ وغيرِها.
د- أنَّ سورةَ المدثرِ أولُ سورةٍ تنزلُ لسببٍ خاصٍّ، حيثُ إنَّ الرسولَ ﷺ قالَ: «دثِّرُونِي دثِّرُونِي» فنزلَتْ، أمَّا سورةُ اقرأْ فلغيرِ سببٍ خاصٍّ، بلْ نزلَتِ ابتداءً[4].
قالَ ابنُ حجرٍ: (ولا يخفَى بُعْدُ هذا الاحتمالِ)[5].
2- أن جابرًا رضي الله عنه استنبطَ هذا الرأيَ باجتهادِه، وفهمِه، وليسَ بنصٍّ ما رواهُ عنِ الرسولِ ﷺ، فَتُقَدَّمُ عليه روايةُ عائشةَ رضي الله عنها.
قالَ الكَرْمانيُّ: (استخرجَ جابرٌ «أوَّلُ ما نزلَ: يا أيُّها المدثرُ» باجتهادٍ، وليسَ منْ روايتِهِ، والصحيحُ ما وقعَ في حديثِ عائشةَ)[6].
ويشهدُ لهذا أنَّ جابرًا رضي الله عنه أخبرَ عمَّا سمعَ، ولم يسمعْ كُلَّ ما حدَّثَ به رسولُ اللهِ ﷺ قبلَ فترةِ الوحيِ الذي روتْهُ عائشةُ، فاقتصرَ على ما سمعَ ظانًّا أنَّهُ ليسَ هناك غيرُهُ.
3- أنَّ في حديثِ جابرٍ رضي الله عنه ما يدلُّ على أنَّ الرسولَ ﷺ رأى جبريلَ قبلَ ذلكَ، حيثُ جاءَ في حديثِ جابرٍ رضي الله عنه: «فإذا هو على العرشِ»، وإشارتُه إليه بالضميرِ تدلُّ على أنه سبقَ ذكرُهُ، وفي روايةٍ أصرحَ: «فإذا الملكُ الذي جاءَنِي بحراءٍ...».
ولهذا فإن هذا الدليلَ غيرُ كافٍ لإثباتِ أوليةِ النزولِ لسورةِ المدثرِ، بل وصفَ النوويُّ رحمه الله القولَ بأنَّ أولَ ما نزلَ سورةُ المدثرِ بأنه (ضعيفٌ، بل باطلٌ، والصوابُ أنَّ أولَ ما نزلَ على الإطلاقِ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ كما صرح به في حديثِ عائشةَ)[7].