حجم الخط:

القول الثالث: أن التأويل هو صرف اللفظ عن معناه:

وهو اصطلاحُ طوائفَ من المتأخرين، قالوا: إن التأويلَ هو صرفُ اللفظِ عن المعنى الراجحِ إلى المعنى المرجوحِ لدليلٍ يقترنُ به.

ويريدون بذلك صرفَ الألفاظِ القرآنيةِ عن معانيها الحقيقيةِ إلى معانٍ باطلةٍ؛ ليؤيدوا بها مذاهبَهم وآراءَهم المنحرفةَ، فهم اعتقدوا رأيًا ثم حملوا نصوصَ القرآنِ عليه؛ لتوافقَ ما ذهبوا إليه.

وهؤلاء كما قالَ ابنُ تيميةَ رحمه الله: (صاروا مراتبَ ما بين قرامطةٍ وباطنيةٍ يتأولون الأخبارَ والأوامرَ، وما بين صابئةٍ وفلاسفةٍ يتأولون عامةَ الأخبارِ عن اللهِ وعن اليومِ الآخرِ، حتى عن أكثرِ أحوالِ الأنبياءِ، وما بين جهميةٍ ومعتزلةٍ يتأولون بعضَ ما جاءَ في اليومِ الآخرِ، وفي آياتِ القدرِ، ويتأولون آياتِ الصفاتِ، وقد وافقَهم بعضُ متأخري الأشعريةِ على ما جاءَ في بعضِ الصفاتِ، وبعضُهم في بعضِ ما جاءَ في اليومِ الآخرِ، وآخرون من أصنافِ الأمةِ وإن كانَ تغلبُ عليهم السنةُ، فقد يتأولون أيضًا مواضعَ يكونُ تأويلُهم من تحريفِ الكلمِ عن مواضعِه)[1].

وذكرَ في موضعٍ آخرَ أمثلةً لهذه التأويلاتِ، فقالَ: (كتأويلِ من تأوَّلَ استوى بمعنى استولَى ونحوِه، فهذا عند السلفِ والأئمةِ باطلٌ لا حقيقةَ له، بل هو من بابِ تحريفِ الكلمِ عن مواضعِه والإلحادِ في أسماءِ اللهِ وآياتِه.

فلا يقالُ في مثلِ هذا التأويلِ: لا يعلمُه إلا اللهُ والراسخون في العلمِ، بل يقالُ فيه: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ [يونس: 18] كتأويلاتِ الجهميةِ والقرامطةِ الباطنيةِ، كتأويلِ من تأوَّل الصلواتِ الخمسَ بمعرفةِ أسرارِهم، والصيامَ بكتمانِ أسرارِهم، والحجَّ بزيارةِ شيوخِهم، والإمامَ المبينَ بعليِّ بنِ أبي طالبٍ، وأئمةَ الكفرِ بطلحةَ والزبيرِ، والشجرةَ الملعونةَ في القرآنِ ببني أميةَ، واللؤلؤَ والمرجانَ بالحسنِ والحسينِ، والتينَ والزيتونَ وطورَ سينينَ، وهذا البلدِ الأمينِ بأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ، والبقرةَ بعائشةَ، وفرعونَ بالقلبِ، والنجمَ والقمرَ والشمسَ بالنفسِ والعقلِ، ونحوَ ذلك.

فهذه التأويلاتُ من بابِ تحريفِ الكلمِ عن مواضعِه والإلحادِ في آياتِ اللهِ، وهي من بابِ الكذبِ على اللهِ وعلى رسولِه وكتابِه، ومثلُ هذه لا تُجْعَلُ حقًّا حتى يقالَ: إن اللهَ استأثرَ بعلمِها، بل هي باطلٌ، مثلَ شهادةِ الزورِ، وكفرِ الكفارِ، يعلمُ اللهُ أنها باطلٌ، واللهُ يُعَلِّمُ عبادَه بطلانَها بالأسبابِ التي بها يعرفُ عبادُه، من نصبِ الأدلةِ، وغيرِها)[2].

وقالَ: (وهذا التأويلُ هو الذي يتكلمون عليه في أصولِ الفقهِ ومسائلِ الخلافِ، فإذا قالَ أحدُهم: هذا الحديثُ، أو هذا النصُّ مؤولٌ، أو هو محمولٌ على كذا، قالَ الآخرُ: هذا نوعُ تأويلٍ، والتأويلُ يحتاجُ إلى دليلٍ... وهو أيضًا التأويلُ الذي يتنازعون فيه في مسائلِ الصفاتِ إذا صنفَ بعضُهم في إبطالِ التأويلِ، أو ذمِّ التأويلِ، أو قالَ بعضُهم: آياتُ الصفاتِ لا تؤولُ، وقالَ الآخرُ: بل يجبُ تأويلُها، وقالَ الثالثُ: بل التأويلُ جائزٌ... إلخ)[3].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة