عنايةُ العلماءِ به، وأهمُّ المؤلفاتِ فيه:
كانَ للعلماءِ رحمَهم اللهُ تعالى عنايةٌ كبيرةٌ واهتمامٌ عظيمٌ بإعجازِ القرآنِ الكريمِ.
وسبقَ أن ذكرْنا أن مصطلحَ (المعجزةِ) أو (إعجازِ القرآنِ) لم يردْ في الكتابِ، ولا في السنةِ، ولا في أقوالِ الصحابةِ رضي الله عنهم، وإنما وردَ التعبيرُ عن هذا المعنى بـ: الآيةِ، والبرهانِ، والسلطانِ، وغيرِ ذلك.
وهي العباراتُ التي كانَ يتداولُها العلماءُ في القرنين الأولِ والثاني الهجريينِ عند حديثِهم عن إعجازِ القرآنِ، وليسَ هناك تحديدٌ دقيقٌ لتأريخِ ظهورِ مصطلحِ إعجازِ القرآنِ.
وقد اسْتُعْمِلَ هذا المصطلحُ في نهايةِ القرنِ الثاني وأوائلِ القرنِ الثالثِ، ويؤيدُ هذا أن الإمامَ أحمدَ بنَ حنبلٍ رحمه الله (تـ: 241هـ) استعملَ كلمةَ (معجزةٍ) للأمرِ الخارقِ المؤيدِ للأنبياءِ، ولما استعملَ له من بعدِه مصطلحَ (الكرامةِ)[1].
كما ظهرَ استعمالُ هذا المصطلحِ عندَ النَّظَّامِ (تـ: 231هـ) أحدِ أئمةِ المعتزلةِ، حينَ زعمَ أن إعجازَ القرآنِ كانَ بالصَّرْفَةِ -كما سيأتي بيانُه إن شاءَ اللهُ تعالى- فتصدَّى له علماءُ السنةِ والجماعةِ، وردوا عليه، وأبطلوا زعمَه، فشاعَ مصطلحُ المعجزةِ، وقَلَّ استعمالُ مصطلحِ الآيةِ والبرهانِ والسلطانِ وغيرِها.
وللمعتزلةِ عنايةٌ خاصةٌ بإعجازِ القرآنِ، ولعلَّ عنايتَهم تلك نتيجةُ عدمِ اعتمادِهم في إثباتِ نبوةِ محمدٍ ﷺ، إلا على معجزةِ القرآنِ دونَ سواها من المعجزاتِ.
يقولُ الهمدانيُّ: (لم يعتمدْ شيوخُنا في إثباتِ نبوةِ محمدٍ ﷺ على المعجزاتِ)[2].
ويقولُ عن المعجزاتِ: (فلا يصحُّ أن يستدلَّ بها على صحةِ النبوةِ؛ ولذلك اعتمدَ شيوخُنا في تثبيتِ نبوةِ محمدٍ ﷺ على القرآنِ)[3].
ويوضحُ هذا الأمرُ فيقولُ: (إن شيوخَنا أثبتوها معجزةً ودلالةً، لكنَّهم لم يجوزوا الاعتمادَ عليها في مكالمةِ المخالفين)[4].
ولهذا كثرتْ مؤلفاتُهم في إعجازِ القرآنِ وبلاغتِه ومناظراتِهم ومجادلاتِهم وشطحاتِهم.
أما أولُ كتابٍ يحملُ هذا المصطلحَ في عنوانِه فهو كتابُ: (إعجازِ القرآنِ)، الذي ألفَه محمدُ بنُ زيدٍ الواسطيُّ (تـ: 306هـ)[5]، وهو كتابٌ مفقودٌ، إلا أنَّ أقدمَ كتابٍ خاصٍّ بإعجازِ القرآنِ وصلَ إلينا هو: (النُّكَتُ في إعجازِ القرآنِ) لأبي الحسنِ عليِّ بنِ عيسى الرمانيِّ (تـ: 384)[6]، وهو منْ أئمةِ المعتزلةِ.
ثمَّ تتابعتِ المؤلفاتُ بعدَ ذلك، وكثرتْ كثرةً لا تكادُ تحصى قديمًا وحديثًا، وليسَ من السهلِ حصرُها كلِّها.