فلا عَجَبَ إذًا أن يعتني العلماء بذلك، وأن يُولوه اهتمامهم، فهذا عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «والله ما نزلت آية إلا وقد علمتُ فيم أُنزِلت، وأين أُنزلت، إنَّ ربِّي وهبَ لي قلبًا عقولًا ولسانًا سَؤولًا»[1].
وهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول: «والله الذي لا إلهَ غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلمُ منِّي بكتاب الله تَبلغه الإبل لركبتُ إليه»[2].
وقد اهتم العلماءُ مِنْ بعدهم بمعرفة المكي والمدني، وأفرده جماعة بالتأليف منهم -كما يقول السيوطي-: مكيٌّ والعِزُّ الديريني[3]، وفي العصر الحديث صدَرَتْ دراساتٌ كثيرة عن خصائص السور المكية وخصائص السور المدنية.
كما اعتنى به العلماء في مؤلفاتهم، فلا تكاد تجد كتابًا يتناول علوم القرآن إلا وكان المكي والمدني أحد أبوابه، وفَصَّلَ القولَ فيه السيوطيُّ، وأشبع الكلام على أوجهه، وأفرد بعضها بمباحث خاصة في كتابه (الإتقان)[4].