البرهان في علوم القرآن للزركشي - دار المعرفة (1/ 364، 365)
وقال بعضهم: الصحيح أنها إنما تعلم بتوقيف من الشارع، لا مجال للقياس فيه كمعرفة السورة، فالآية طائفة حروف من القرآن، علم بالتوقيف انقطاعها معنى عن الكلام الذي بعدها في أول القرآن، وعن الكلام الذي قبلها في آخر القرآن، وعن الكلام الذي قبلها [والكلام] الذي بعدها في غيرهما، غير مشتمل على مثل ذلك. قال: وبهذا القيد خرجت السورة.
وقال الزمخشري: «الآيات علم توقيف لا مجال للقياس فيه، فعدوا {الم} آية حيث وقعت من السورة المفتتح بها، وهي ست (البقرة، وآل عمران والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة)، وكذلك {المص} آية (الأعراف)، و{المر} (الرعد) لم تعد آية، و{الر} (يونس، هود، يوسف، إبراهيم، والحجر) ليست بآية في سورها الخمس. و{طسم} آية في سورتيها (الشعراء، والقصص) و{طه} و{يس} آيتان، و{طس} (النمل) ليست بآية، و{حم} آية في سورها كلها (غافر، وفصلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف). و{حم عسق} (الشورى) آيتان، و{كهيعص} (مريم) آية واحدة، و{ص} و{ق} و{ن} ثلاثتها لم تعد آية: هذا مذهب الكوفيين، ومن عداهم لم يعدوا شيئًا منها آية».
وقال بعضهم: إنما عدوا {يس} آية ولم يعدوا {طس}؛ لأن {طس} تشبه المفرد، كقابيل في الزنة والحروف، و{يس} تشبه الجملة من جهة أن أوله ياء، وليس لنا مفرد أوله ياء.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: «ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الفاتحة سبع آيات وسورة الملك ثلاثون آية، وصح أنه قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران. قال: وتعديد الآي من مفصلات القرآن ومن آياته طويل وقصير، ومنه ما ينقطع، ومنه ما ينتهي إلى تمام الكلام، ومنه ما يكون في أثنائه، كقوله: {أنعمت عليهم}. [الفاتحة: 7] على مذهب أهل المدينة، فإنهم يعدونها آية. وينبغي أن يعول في ذلك على فعل السلف».
مناهل العرفان في علوم القرآن (1/ 235)
طريقة معرفة الآية:
لا سبيل إلى معرفة آيات القرآن إلا بتوقيف من الشارع؛ لأنه ليس للقياس والرأي مجال فيها، إنما هو محض تعليم وإرشاد، بدليل أن العلماء عدوا (المص) آية، ولم يعدوا نظيرها وهو (المر) آية، وعدوا يس آية، ولم يعدوا نظيرها وهو (طس) آية، وعدوا (حم عسق) آيتين ولم يعدوا نظيرها، وهو (كهيعص) آيتين بل آية واحدة، فلو كان الأمر مبنيًّا على القياس لكان حكم المثلين واحدًا فيما ذكر، ولم يجئ هكذا مختلفًا، ذلك مذهب الكوفيين؛ لأنهم عدوا كل فاتحة من فواتح السور التي فيها شيء من حروف الهجاء آية، سوى (حم عسق)؛ فإنهم عدوها آيتين، وسوى (طس) ولم يعدوا من الآيات ما فيه (ر) وهو (الر) و(المر)، وما كان مفردًا وهو (ق)، (ص)، (ن)؛ أي لم يعدوا شيئًا منها آية، وغير الكوفيين لا يعتبرون شيئًا من الفواتح آية إطلاقًا، وحيث قلنا: إن المسألة توقيفية فلا يشتبهن عليك هذا الخلاف؛ لأن كلًّا وقف عند حدود ما بلغه أو علمه، ولا تقولن كيف عدوا ما هو كلمة واحدة آية؛ لأن الوارد عن الشارع هو هذا، كما عدت كلمة (الرحمن) في صدر سورة الرحمن آية، وكما عدت كلمة (مدهامتان) آية وقوفًا عند الوارد، أخرج البخاري وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي. فقال: «ألم يقل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم»؟ [الأنفال: 24]، ثم قال: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: «الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته». ا.هـ الحديث. يدل على أن الفاتحة سبع آيات، وعلى أنها هي المرادة بالسبع المثاني في قوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم}. [الحجر: 87]. وأخرج الترمذي والحاكم عن أبي هريرة أنه قال: قال النبي: «إن لكل شيء سنامًا، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي». ا.هـ. وأخرج مسلم والترمذي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله: «يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم»؟ قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. فضرب في صدري وقال: «ليهنك العلم أبا المنذر». ا.هـ. وأخرج الخمسة إلا النسائي عن أبي مسعود البدري أنه قال: قال النبي: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه». ا.هـ. وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود، قال: أقرأني رسول الله سورة من الثلاثين من آل حم، قال: يعني الأحقاف؛ لأن السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت الثلاثين، وقال ابن العربي: ذكر النبي أن الفاتحة سبع آيات وسورة الملك ثلاثون آية ا.هـ. رأي آخر: وبعض العلماء يذهب إلى أن معرفة الآيات منه ما هو سماعي توقيفي، ومنها ما هو قياسي، ومرجع ذلك إلى الفاصلة، وهي الكلمة التي تكون آخر الآية نظيرها قرينة السجع في النثر وقافية البيت في الشعر، يقولون: فما ثبت أن النبي وقف عليه دائمًا تحققنا أنه فاصلة، وما وصله دائمًا تحققنا أنه ليس فاصلة، وما وقف عليه مرة ووصله أخرى احتمل الوقف أن يكون لتعريف الفاصلة أو لتعريف الوقف التام أو للاستراحة، واحتمل الوصل أن يكون غير فاصلة أو فاصلة وصلها لتقدم تعريفها وفي هذا مجال للقياس، وهو ما ألحق غير المنصوص عليه بالمنصوص عليه لأمر يقتضي ذلك، ولا محظور فيه؛ لأنه لا يؤدي إلى زيادة ولا نقصان في القرآن، وإنما غايته تعيين محل الفصل أو الوصل، وقد يلاحظ في الكلمة الواحدة من القرآن أمران؛ يقتضي أحدهما عدها من الفواصل، والآخر يقتضي خلاف ذلك، مثال ذلك كلمة عليهم الأولى في سورة الفاتحة، منهم من يعتبرها رأس آية، ومنهم من لا يراها كذلك.