أصول في التفسير للشيخ محمد بن صالح العثيمين – المكتبة الإسلامية (ص: 32)
وأما الترجمة المعنوية للقرآن فهي جائزة في الأصل؛ لأنه لا محذور فيها، وقد تجب حين تكون وسيلة إلى إبلاغ القرآن والإسلام لغير الناطقين باللغة العربية، لأن إبلاغ ذلك واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
لكن يشترط لجواز ذلك شروط:
الأول: أن لا تجعل بديلا عن القرآن بحيث يستغني بها عنه، وعلى هذا فلا بد أن يكتب القرآن باللغة العربية وإلى جانبه هذه الترجمة، لتكون كالتفسير له.
الثاني: أن يكون المترجم عالما بمدلولات الألفاظ في اللغتين المترجم منها وإليها، وما تقتضيه حسب السياق.
الثالث: أن يكون عالما بمعاني الألفاظ الشرعية في القرآن. ولا تقبل الترجمة للقرآن الكريم إلا من مأمون عليها، بحيث يكون مسلما مستقيما في دينه.
التفسير والمفسرون للدكتور محمد السيد حسين الذهبي - مكتبة وهبة (1/ 21، 22)
الترجمة التفسيرية للقرآن:
الترجمة التفسيرية أو المعنوية، تقدم لنا أنها عبارة عن شرح الكلام وبيان معناه بلغة أخرى، بدون محافظة على نظم الأصل وترتيبه، وبدون المحافظة على جميع معانيه المرادة منه، وذلك بأن نفهم المعنى الذى يراد من الأصل، ثم نأتي به بتركيب من اللغة المترجم إليها يؤديه على وفق الغرض الذى سيق له. وعلم مما تقدم مقدار الفرق بين الترجمة الحرفية والترجمة التفسيرية، ولإيضاح هذا الفرق نقول:
لو أراد إنسان أن يترجم قوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} ترجمة حرفية لأتى بكلام يدل على النهى عن ربط اليد في العنق، وعن مدها غاية المد، ومثل هذا التعبير في اللغة المترجم إليها ربما كان لا يؤدى المعنى الذى قصده القرآن، بل قد يستنكر صاحب تلك اللغة هذا الوضع الذى ينهى عنه القرآن، ويقول في نفسه: إنه لا يوجد عاقل يفعل بنفسه هذا الفعل الذى نهى عنه القرآن، لأنه مثير للضحك على فاعله والسخرية منه، ولا يدور بخلد صاحب هذه اللغة، المعنى الذى أراده القرآن وقصده من وراء هذا التشبيه البليغ. أما إذا أراد أن يترجم هذه الجملة ترجمة تفسيرية، فإنه يأتي بالنهى عن التبذير والتقتير، مصورين بصورة شنيعة، ينفر منها الإنسان، حسبما يناسب أسلوب تلك اللغة المترجم إليها، ويناسب إلف من يتكلم بها. ومن هذا يتبين أن الغرض الذى أراده الله من هذه الآية، يكون مفهوما بكل سهولة ووضوح في الترجمة التفسيرية، دون الترجمة الحرفية.
إذا علم هذا، أصبح من السهل علينا وعلى كل إنسان أن يقول بجواز ترجمة القرآن ترجمة تفسيرية بدون أن يتردد أدنى تردد، فإن ترجمة القرآن ترجمة تفسيرية ليست سوى تفسير للقرآن الكريم بلغة غير لغته التي نزل بها.
وحيث اتفقت كلمة المسلمين، وانعقد إجماعهم على جواز تفسير القرآن لمن كان من أهل التفسير بما يدخل تحت طاقته البشرية، بدون إحاطة بجميع مراد الله، فإنا لا نشك في أن الترجمة التفسيرية للقرآن داخلة تحت هذا الإجماع أيضا، لأن عبارة الترجمة التفسيرية محاذية لعبارة التفسير، لا لعبارة الأصل القرآني، فإذا كان التفسير مشتملا على بيان معنى الأصل وشرحه، بحل ألفاظه فيما يحتاج تفهمه إلى الحل، وبيان مراده كذلك، وتفصيل معناه فيما يحتاج للتفصيل، وتوجيه مسائله فيما يحتاج للتوجيه، وتقرير دلائله فيما يحتاج للتقرير، ونحو ذلك من كل ما له تعلق بتفهم القرآن وتدبره، كانت الترجمة التفسيرية أيضا مشتملة على هذا كله، لأنها ترجمة للتفسير لا للقرآن.
وقصارى القول: إن في كل من التفسير وترجمته بيان ناحية أو أكثر من نواحي القرآن التي لا يحيط بها إلا من أنزله بلسان عربي مبين، وليس في واحد منهما إبدال لفظ مكان لفظ القرآن، ولا إحلال نظم محل نظم القرآن بل نظم القرآن باق معهما، دال على معانيه من جميع نواحيه.
علوم القرآن الكريم للدكتور نور الدين عتر - مطبعة الصباح (ص: 118)
حكم الترجمة التفسيرية:
أن تفسير القرآن الكريم علم جليل، وهو من العلوم التي فرض الله على الأمة تعلمها وتعليمها، والترجمة التفسيرية هي تفسير للقرآن الكريم بلغة أخرى غير اللغة العربية، فكانت هذه الترجمة فرضا مما فرضه الله تعالى على الأمة، بل هي الآن أكثر فرضية لما يترتب عليها من الواجبات المحتمة، مثل تبليغ معاني القرآن على وجه صحيح إلى المسلمين غير العرب، وكذلك إلى غير المسلمين أيضا، ومثل المحافظة على العقيدة الإسلامية من التحريف الخاطئ أو المتعمد الذي كثر فيما يسمى ترجمات القرآن، مما يشوّش عقيدة قارئها المسلم، ويصد غير المسلم عن دين الله تعالى، وكذلك الدفاع عن القرآن بكشف أضاليل المبشرين والمستشرقين الذين تعالت أصوات الشكايات من دسهم وتزييفهم.