البرهان في علوم القرآن للزركشي - دار المعرفة (2/ 166)
الأول: ما نسخ تلاوته وبقي حكمه فيعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول، كما روي أنه كان يقال في سورة النور: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله»، ولهذا قال عمر: «لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله، لكتبتها بيدي». رواه البخاري في صحيحه معلقًا.
وأخرج ابن حبان في «صحيحه» عن أبي بن كعب [80/ أ] قال: «كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، فكان فيها: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما».
الإتقان في علوم القرآن للسيوطي - دار الفكر (2/ 66)
الضرب الثالث: ما نسخ تلاوته دون حكمه وقد أورد بعضهم فيه سؤالًا وهو ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم وهلا بقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟
وأجاب صاحب الفنون بأن ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شيء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام والمنام أدنى طريق الوحي وأمثلة هذا الضرب كثيرة.
مناهل العرفان في علوم القرآن (2/ 155)
وأما نسخ التلاوة دون الحكم فيدل على وقوعه ما صحت روايته عن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب أنهما قالا: كان فيما أنزل من القرآن «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها ألبتة» اه. وأنت تعلم أن هذه الآية لم يعد لها وجود بين دفتي المصحف، ولا على ألسنة القراء مع أن حكمها باق على إحكامه لم ينسخ، ويدل على وقوعه أيضًا ما صح عن أبي بن كعب أنه قال: كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة أو أكثر مع أن هذا القدر الكبير الذي نسخت تلاوته لا يخلو في الغالب من أحكام اعتقادية لا تقبل النسخ، ويدل على وقوعه أيضًا الآية الناسخة في الرضاع، وقد سبق ذكرها في النوع الأول، ويدل على وقوعه أيضًا ما صح عن أبي موسى الأشعري أنهم كانوا يقرؤون سورة على عهد رسول الله في طول سورة براءة، وأنها نسيت إلا آية منها، وهي لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب.
المنار في علوم القرآن للدكتور محمد علي الحسن - مؤسسة الرسالة (ص: 195 - 198)
2- منسوخ التلاوة دون الحكم:
استدل القائلون بجواز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم بما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «كان فيما أنزل آية الرجم يعني: «الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموهما البتة» قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله ورجمنا بعده».
وهذه الرواية إسنادها صحيح، وفي متنها نظر، فقد روي عن عمر قوله: «لولا أن يقول الناس زاد عمر في المصحف لكتبتها»، وهو كلام يوهم أنه لم ينسخ لفظها أيضًا، مع أنهم يقولون: إنها منسوخة اللفظ باقية الحكم، ورواية تذكر قيد الزنى بعد ذكر الشيخ والشيخة، ورواية أخرى لا تذكره، ورواية تذكر عبارة «نكالًا من الله»، ورواية لا تذكرها، بل رواية البخاري لا تذكر الشيخ والشيخة، وما هكذا تكون نصوص الآيات القرآنية ولو نسخ لفظها.
لذا فقد جزم الكمال بعدم الأخذ بالروايات قائلًا: «وأما ما نظر به من الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما، فلولا ما علم بالسنة والإجماع لم يثبت به».
إن هذا الحديث المروي عن عمر، لا يمكن اعتباره قرآنًا بحال من الأحوال؛ لأن القرآن لا يثبت برواية الآحاد وإن صحت، ذلك لأن القراءات القرآنية لا تثبت قرآنيتها إلا بالتواتر، وإلا ردت وحكم عليها بالشذوذ ولو صحت روايتها آحادًا.
قال أبو جعفر النحاس: «وإسناد الحديث صحيح، إلا أنه ليس له حكم القرآن الذي نقله الجماعة، ولكنه سنة ثابتة».
ونختم الحديث عن هذا النوع بما قال الدكتور مصطفى زيد: «ومن ثم يبقى منسوخ التلاوة باقي الحكم مجرد فرض، لم يتحقق في واقعة واحدة، ولهذا نرفضه ونرى أنه غير معقول ولا مقبول، فإن القول بأنه سقط شيء من القرآن، أو أنه لم يتواتر فلم يثبت في القرآن قول لا يسنده دليل ويجعل للمغرضين صيدًا ثمينًا للنيل من القرآن، فرد الروايات أهون من الدخول في المتاهات».