الإتقان في علوم القرآن للسيوطي - دار الفكر (1/ 143، 144)
604 فأما تسميته كتابًا فلجمعه أنواع العلوم والقصص والأخبار على أبلغ وجه والكتاب لغة الجمع.
605 والمبين؛ لأنه أبان أي أظهر الحق من الباطل.
606 وأما القرآن فاختلف فيه فقال جماعة هو اسم علم غير مشتق خاص بكلام الله فهو غير مهموز، وبه قرأ ابن كثير وهو مروي عن الشافعي أخرج البيهقي والخطيب وغيرهما عنه أنه كان يهمز قرأت ولا يهمز القرآن، ويقول: القرآن اسم وليس بمهموز ولم يؤخذ من قرأت ولكنه اسم لكتاب الله مثل التوراة والإنجيل .
607 وقال قوم منهم الأشعري: هو مشتق من قرنت الشيء بالشيء إذا ضممت أحدهما إلى الآخر وسمي به لقران السور والآيات والحروف فيه .
608 وقال الفراء: هو مشتق من القرائن؛ لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضًا، ويشابه بعضها بعضًا، وهي قرائن وعلى القولين هو بلا همز أيضًا ونونه أصلية .
609 وقال الزجاج: هذا القول سهو، والصحيح أن ترك الهمزة فيه من باب التخفيف ونقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها .
610 واختلف القائلون بأنه مهموز، فقال قوم منهم اللحياني: هو مصدر لقرأت، كالرجحان والغفران سمي به الكتاب المقروء من باب تسمية المفعول بالمصدر .
611 وقال آخرون منهم الزجاج: هو وصف على فعلان مشتق من القرء بمعنى الجمع، ومنه قرات الماء في الحوض أي جمعته .
612 قال أبو عبيدة: وسمي بذلك؛ لأنه جمع السور بعضها إلى بعض .
613 وقال الراغب: لا يقال لكل جمع قرآن، ولا لجمع كل كلام قرآن. قال: وإنما سمي قرآنًا لكونه جمع ثمرات الكتب السالفة المنزلة، وقيل: لأنه جمع أنواع العلوم كلها .
614 وحكى قطرب قولًا أنه إنما سمي قرآنًا؛ لأن القارئ يظهره ويبينه من فيه أخذًا من قول العرب: ما قرأت الناقة سلا قط. أي ما رمت بولد أي ما أسقطت ولدًا. أي ما حملت قط. والقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه فسمي قرآنًا .
615 قلت والمختار عندي في هذه المسألة ما نص عليه الشافعي.
البرهان في علوم القرآن للزركشي - دار المعرفة (1/ 373 - 375)
1- فأما الكتاب: فهو مصدر [كتب] يكتب [كتابًا و] كتابة، وأصلها الجمع، وسميت الكتابة لجمعها الحروف فاشتق الكتاب لذلك؛ لأنه يجمع أنواعًا من القصص والآيات والأحكام والأخبار على أوجه مخصوصة. ويسمى المكتوب كتابًا مجازًا، قال الله تعالى: {في كتاب مكنون}. (الواقعة: 78)، أي اللوح المحفوظ. والكتابة حركات تقوم بمحل قدرة الكاتب، خطوط موضوعة مجتمعة تدل على المعنى المقصود وقد يغلط الكاتب فلا تدل على شيء.
2- وأما القرآن: فقد اختلفوا فيه فقيل: هو اسم غير مشتق من شيء بل هو اسم خاص بكلام الله. وقيل: مشتق من القري، وهو الجمع ومنه قريت الماء في الحوض أي جمعته قاله الجوهري وغيره. وقال الراغب: «لا يقال لكل جمع قرآن ولا لجمع كل كلام قرآن ولعل مراده بذلك في العرف والاستعمال لا أصل اللغة». وقال الهروي: «كل شيء جمعته فقد قرأته». وقال أبو عبيد: «سمي القرآن قرآنًا؛ لأنه جمع السور بعضها إلى بعض». وقال الراغب: «سمي قرآنًا لكونه جمع ثمرات الكتب المنزلة السابقة. وقيل: لأنه جمع أنواع العلوم كلها بمعان كما قال تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء}». (الأنعام: 38). وقال بعض المتأخرين: لا يكون القرآن و«قرأ» مادته بمعنى جمع، لقوله تعالى: {إن علينا جمعه وقرآنه} (القيامة: 17)، فغاير بينهما؛ وإنما مادته «قرأ» بمعنى أظهر وبين والقارئ يظهر القرآن ويخرجه، والقرء: الدم، لظهوره وخروجه. والقرء: الوقت فإن التوقيت لا يكون إلا بما يظهر. وقيل: سمي قرآنًا؛ لأن القراءة عنه والتلاوة منه وقد قرئت بعضها عن بعض. وفي «تاريخ بغداد» للخطيب في ترجمة الشافعي قال: «وقرأت القرآن على إسماعيل بن قسطنطين وكان يقول: القران اسم وليس مهموزًا، ولم يؤخذ من «قرأت» ولو أخذ من «قرأت» لكان كل ما قرئ ولكنه اسم للقرآن مثل التوراة والإنجيل، يهمز قرأت، ولا يهمز القران». وقال الواحدي: «كان ابن كثير يقرأ بغير همز، وهي قراءة الشافعي أيضًا». قال البيهقي: «كان الشافعي يهمز «قرأت» ولا يهمز القران ويقول: هو اسم لكتاب الله غير مهموز». قال الواحدي: «قول الشافعي: هو اسم لكتاب الله، يعني أنه اسم علم غير مشتق، كما قاله جماعة من الأئمة. وقال: وذهب آخرون إلى أنه مشتق من قرنت الشيء بالشيء إذا ضممته إليه، فسمي بذلك لقران السور والآيات والحروف فيه، ومنه قيل للجمع بين الحج والعمرة قران، قال: وإلى هذا المعنى ذهب الأشعري». وقال القرطبي: «القران بغير همز مأخوذ من القرائن؛ لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضًا، ويشابه بعضها بعضًا، فهي حينئذ قرائن». قال الزجاج: «وهذا القول سهو، والصحيح أن ترك الهمز فيه، من باب التخفيف ونقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها وهذا ما أشار إليه الفارسي في «الحلبيات» وقوله: {إن علينا جمعه وقرآنه} (القيامة: 17)، أي جمعه في قلبك حفظًا، وعلى لسانك تلاوة، وفي سمعك فهمًا وعلمًا. ولهذا قال بعض أصحابنا: إن عند قراءة القارئ تسمع قراءته المخلوقة، ويفهم منها كلام الله القديم، وهذا معنى قوله: {لا تسمعوا لهذا القرآن} (فصلت: 26)، أي لا تفهموا ولا تعقلوا؛ لأن السمع الطبيعي يحصل للسامع شاء أو أبى.
مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح (ص: 17)
الفصل الأول: أسماء القرآن وموارد اشتقاقها:
لقد اختار الله لوحيه أسماء جديدة مخالفة لما سمى العرب به كلامهم جملة وتفصيلًا. وروعيت في تلك الألقاب أسرار التسمية وموارد الاشتقاق.
واشتهر منها لقبان: الكتاب والقرآن.
وفي تسميته بالكتاب إشارة إلى جمعه في السطور، لأن الكتابة جمع للحروف ورسم للألفاظ؛ كما أن في تسميته بالقرآن إيماءة إلى حفظه في الصدور؛ لأن القرآن مصدر القراءة، وفي القراءة استذكار، فهذا الوحي العربي المبين قد كتب له من العناية به ما كفل صيانته في حرز حريز، وما جعله بنجوة من خوض العابثين وتلاعب المحرفين: إذ لم ينقل كجميع الكتب بالكتابة وحدها ولا بالحفظ وحده، بل وافقت كتابته تواتر إسناده، ووافق إسناده المتواتر نقل الأمين الدقيق. ومع أن كلتا التسميتين ترتد إلى أصل آرامي، إذ وردت الكتابة في الآرامية بمعنى رسم الحروف، وجاءت القراءة فيها بمعنى التلاوة، بدت تسمية هذ الوحي بالكتاب وبالقرآن طبيعية جدًّا، لامتياز الوحي المحمدي في مراحله كلها بهذه العناية المزدوجة في صيانة نصوصه وحفظ تعاليمه ومنقوشة في السطور، مجموعة من الصدور.
دراسات في علوم القرآن - محمد بكر إسماعيل (ص: 19)
المبحث الثالث: أسماء القرآن:
سُمِّيَ القرآن الكريم بأسماء كثيرة، أخذت من أوصافه التي وردت فيه، وأشهر هذه الأسماء:
1- القرآن:
وقد تقدَّمَ تعريفه لغة، وشرعًا.
2- الكتاب:
وهو مصدر من الكتب، ومعناه الضم والجمع، ومنه الكتيبة، وهي القطعة من الجيش. وهذا الاسم موافق للذي قَبِلَه في المعنى، فالقرآن جمع الحروف، وضم بعضها إلى بعض في النطق، والكتاب جمع الحروف وضم بعضها إلى بعض في الخط.