الإتقان في علوم القرآن للسيوطي - دار الفكر (2/ 5)
النوع الثالث والأربعون في المحكم والمتشابه:
قال تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات}، وقد حكى ابن حبيب النيسابوري في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن القرآن كله محكم لقوله تعالى: {كتاب أحكمت آياته}.
الثاني: كله متشابه لقوله تعالى: {كتابًا متشابهًا مثاني}.
الثالث: وهو الصحيح انقسامه إلى محكم ومتشابه للآية المصدر بها.
والجواب عن الآيتين أن المراد بإحكامه: إتقانه وعدم تطرق النقص والاختلاف إليه، وبتشابهه: كونه يشبه بعضه بعضًا في الحق والصدق والإعجاز.
وقال بعضهم: الآية لا تدل على الحصر في الشيئين إذ ليس فيها شيء من طرقه، وقد قال تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم}، والمحكم لا تتوقف معرفته على البيان والمتشابه لا يرجى بيانه.
مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني - دار الفكر (2/ 194، 195)
القرآن محكم ومتشابه:
ولقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أنه كله محكم؛ إذ قال سبحانه: {كتاب أحكمت آياته}، وجاء فيه ما يدل على أنه كله متشابه إذ قال جل ذكره: {الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا}، وجاء فيه ما يدل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه إذ قال عز اسمه: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات}، ولا تعارض بين هذه الإطلاقات الثلاثة؛ لأن معنى إحكامه كله أنه منظم رصين متقن متين لا يتطرق إليه خلل لفظي ولا معنوي؛ كأنه بناء مشيد محكم يتحدى الزمن ولا ينتابه تصدع ولا وهن ومعنى كونه كله متشابهًا أنه يشبه بعضه بعضًا في إحكامه وحسنه وبلوغه حد الإعجاز في ألفاظه ومعانيه؛ حتى إنك لا تستطيع أن تفاضل بين كلماته وآياته في هذا الحسن والإحكام والإعجاز كأنه حلقة مفرغة لا يدري أين طرفاها. وأما أن بعضه محكم وبعضه متشابه فمعناه أن من القرآن ما اتضحت دلالته على مراد الله تعالى منه، ومنه ما خفيت دلالته على هذا المراد الكريم؛ فالأول هو المحكم، والثاني هو المتشابه على خلاف يأتي بين العلماء في ذلك، بيد أن الذي اتفقوا عليه ولا يمكن أن يختلفوا فيه هو أنه لا تنافي بين كون القرآن كله محكمًا أي متقنًا، وبين كونه كله متشابهًا أي يشبه بعضه بعضًا في هذا الإتقان والإحكام، وبين كونه منقسمًا إلى ما اتضحت دلالته على مراد الله وما خفيت دلالته، بل إن انقسامه هذا الانقسام محقق لما فيه كله من إحكام وتشابه بالمعنى السابق، وسيأتيك نبأ ذلك في بيان الحكمة من وجود متشابهات خفية إلى جانب واضحات ظاهرة في القرآن الكريم.