عون الحنان في شرح الأمثال في القرآن للشيخ علي الطهطاوي - دار الكتب العلمية (ص: 179، 180)
ونحن إذا قرأنا آيات الله، واستعرضنا ما ورد بها من أمثال قرآنية، وجدنا أنها تأخذ ذلك الأسلوب الذى لم تسبق إليه في البيان العربي في الجاهلية وصدر الإسلام في صياغتها، وتكوينها على النحو الفريد الذى عرضت فيه. فهي تعرض لنا:
أولا: صورة وصفة المتمثل له، والمتمثل به على هذا النحو الذى تمثله النماذج القرآنية في الآيات التالية:
أ- قال الله تعالى: {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون} [آل عمران: 117].
ب- وقال أيضا: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} [العنكبوت: 41].
فالآية تبدأ بكلمة مثل التي تدل على الصفة والحالة، وتعرض المتمثل له مباشرة، ثم تعقب ذلك بكلمة مثل المكررة التي تفيد الحالة والصفة أيضا للمتمثل به، مسبوقة بالكاف الدالة على التشبيه، وهذا في أكثر الاستخدامات القرآنية، وقد وردت في القرآن الكريم تلك الأمثال القياسية على هذا النحو مصحوبة بالنص على ضرب المثل بصياغة الماضي، والمضارع، والأمر، وهو لفظ يفيد إيقاع الشيء وتحقيقه، وقد اختير لفظ الضرب، كما عبر صاحب المنار: لأنه يأتي عند إرادة التأثير، وهيج الانفعال، كأن ضارب المثل يقرع به آذان السامع قرعا ينفذ أثره إلى قلبه، وينتهى إلى أعماق نفسه.
ثانيا: يسرد المثل قصة كاملة للمتمثل له، أو يعرض صورة مجازية مبسوطة جيء بها للإيضاح، والتصوير، أو قصد التأديب.
ثالثا: من سمات المثل القرآني: الإطناب، وعمق الفكرة، وجمال التصوير.
دراسات في علوم القرآن - محمد بكر إسماعيل - دار المنار (ص: 305، 306)
خصائص المثل القرآني وسماته البلاغية:
المثل في كلام الناس: قول بليغ يرسله حكيم، أو يجري على لسان واحد من الناس بقصد، أو بغير قصد، فيقع منهم موقع الغرابة والاستحسان، لمطابقته للقضية التي قيل فيها، أو للشأن الذي أريد تصويره بإيجاز بليغ.
فيحفر له في أذهانهم مكانا، يظل مائلا فيه يذكر كلما وقع ما يشبه مورده.
ويتميز المثل عن الأساليب البيانية بخصائص فنية، وسمات بلاغية كثيرة، جمعها القرآن الكريم في أمثاله, فكانت في الذروة العليا من البلاغة والتأثير في القلوب والعقول.
أما خصائص المثل وسماته بوجه عام، فإنها ترد في جملتها إلى أربعة أمور:
الأول: الإيجاز البليغ: وهو تأدية المعاني الكثيرة بألفاظ قليلة محكمة.
الثاني: إصابة المعنى: بأن يكون المثل مؤديا للغرض الذي ضرب له أو قيل فيه، بحيث إذا ألقي على المخاطب وقع من نفسه موقعه، وأصاب مرماه، وسلم به تسليما لا يقبل التردد.
وهذا يقتضي أن يكون المثل مطابقا للواقع، مجربا عند السامع، لا ينكره عقل ولا دين.
الثالث: حسن التشبيه: وذلك بأن يكون وجه الشبه بين المشبه والمشبه به قويا، يدركه الذهن من غير تكلف في التأويل، وأن يكون في التشبيه جدة وطرافة وابتكار، حتى يكون التأثير به أقوى وأقدر على إبراز المعاني المعقولة في صور محسة.
فإن لم يكن وجه الشبه بين المشبه والمشبه به قويا أو لم يكن في أسلوب التشبيه جدة وطرافة وابتكار كان فاترا مبتذلا غير مؤثر، وبالتالي يكون فاقد القدرة على تأدية الغرض المراد منه، وهو إبراز الفكرة وتقوية المعنى، وإقناع السامع وإمتاعه، وتدريب ذهنه على التأمل والتفكير، وإطلاق خياله في المعاني المرسلة لفهمها واستيعابها, وربط بعضها ببعض، وغير ذلك من الأغراض التي لا يؤديها غير هذا الأسلوب البياني.
الرابع: جودة الكتابة: وذلك إذا كان المثل من باب الكنايات، بأن يعبر عن حكمة دلت على صدقها التجربة، وشهد لها الواقع بالسلامة والصحة.
فالكناية تأتي بالمعنى مصحوبا بدليله، وتبرز ما يستقبح ذكره في صورة مقبولة لا يأباها الحس المرهف, ولا يمجها الذوق السليم، فهي أسلوب مقنع وممتع ومؤثر.
وأمثال القرآن الكريم مستوفية لهذه الخصائص إلى حد الإعجاز -ولا شك- فالإيجاز فيه من الدقة بحيث يسع اللفظ الواحد من المعاني المرادة ما لا تسعه المجلدات الضخام.