ولعلك تسأل بعد هذا: لماذا لم يُجمَع القرآنُ في عهد الرسول ﷺ في مصحف واحد؟
وقد أجاب العلماء رحمهم الله تعالى على ذلك، وذكروا أسبابًا منها:
1- أن الله تعالى قد أمَّنَ نبيَّه عليه الصلاة والسلام من النسيان بقوله عز وجل: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَىٰ ٦ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ ﴾ [الأعلى: 6، 7]، أي: ما شاء أن يرفع حكمه بالنسخ، فلا خوف إذن أن يذهب شيءٌ من القرآن الكريم، وأما بعد وفاته ﷺ فإن النسيان قد يقع، فبادر المسلمون إلى جمعه في مصحف واحد[1].
2- قال الخَطَّابيُّ: (إنَّما لم يَجْمَعْ ﷺ القرآنَ في المُصحف لِـمَا كان يَتَرقَّبه مِن ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزولُه بوفاته ألهَمَ اللهُ الخلفاءَ الراشدين ذلك؛ وفاءً بوعده الصادق بضمان حِفظه على هذه الأُمَّة)[2].
وقال الزركشيُّ: (وإنما ترك جمعه في مصحف واحد؛ لأن النسخ كان يَرِدُ على بعضٍ، فلو جمعه ثم رُفِعَت تلاوةُ بعضٍ لأدَّى إلى الاختلاف واختلاط الدِّين، فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمان النسخ، ثم وَفَّقَ لجمعه الخلفاءَ الرَّاشدين)[3].
3- أن القرآن الكريم لم ينزل جملةً واحدة، بل نزل مُنَجَّمًا في ثلاث وعشرين سنة.
4- أن ترتيب آيات القرآن وسوره ليس على حسب ترتيب نزوله، ولو جُـمِع القرآنُ في مصحف واحد حينئذ لكان عُرْضَة للتغيير كلما نزل شيءٌ من القرآن[4].
ولم يكن الصحابةُ رضي الله عنهم إذا اختلفوا في شيء من القرآن يرجعون إلى ما هو مكتوب؛ بل كانوا يرجعون إلى الرسول ﷺ فيَعرضون عليه قراءتهم ويسألونه عنها، وبعد وفاة الرسول ﷺ ومَقْتَل بعضِ القُرَّاء من الصحابة دعتِ الحاجة إلى جمع القرآن في مصحف واحد، فكان ذلك في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.