حجم الخط:

[تمهيد]

سلكَ القرآنُ منهجًا خاصًّا فريدًا في عرضِه للقضايا، فلم يلتزمِ الطريقةَ المعروفةَ بتقسيمِ الكتابِ إلى أبوابٍ، والأبوابِ إلى فصولٍ، يتناولُ كلُّ بابٍ موضوعًا خاصًّا، ويعرضُ كلُّ فصلٍ جانبًا منْ جوانبِ هذا الموضوعِ حتى اكتمالِ الموضوعِ وتمامِه.

والقرآنُ الكريمُ ليسَ كذلك، فهو ينوعُ في العرضِ بالترغيبِ مرةً، والترهيبِ أخرى، وبالموعظةِ حينًا، والقصةِ حينًا آخرَ، ويذكرُ طرفًا من الموضوعِ مرةً، ثم ينتقلُ إلى غيرِه، ثم يعودُ إلى إتمامِه مرةً أخرى؛ مما جعلَ العلماءُ يقبلون على دراسةِ هذا الأسلوبِ وأسرارِ الانتقالِ من موضوعٍ إلى آخرَ، ويبينون وجهَ الارتباطِ بين الآياتِ ذاتِ الموضوعاتِ المختلفةِ مع بعضٍ، حتى نشأَ علمٌ خاصٌّ سمَّوْه: (علمَ المناسباتِ بين الآياتِ والسورِ).

وقد اعتنى المفسرون كثيرًا ببيانِ المناسبةِ بين الآياتِ والسورِ في تفاسيرِهم، بل حكى الزركشيُّ خلافَ العلماءِ في أيّها أولى بالبداءة بسببِ النزولِ أو بالمناسبةِ؛ لأنَّها المصححةُ لنظمِ الكلامِ، وهي سابقةٌ على النزولِ.

ثم حققَ الخلافَ بأنه إذا كانَ وجهُ المناسبةِ متوقفًا على معرفةِ سببِ النزولِ، فهذا ينبغي فيه تقديمُ ذكرِ السببِ؛ لأنه حينئذٍ من بابِ تقديمِ الوسائلِ على المقاصدِ، وإن لم يتوقفْ على ذلك فالأولى تقديمُ وجهِ المناسبةِ[1].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة