القولُ بالصَّرْفَةِ هو الباعثُ على نشأةِ البحثِ في وجوهِ الإعجازِ للقرآنِ الكريمِ، فقد كانَ المسلمون مُسَلِّمينَ بإعجازِ القرآنِ، وألفوا في ذلك كتبًا تشيرُ بصورةٍ غيرِ مباشرةٍ إلى إعجازِ القرآنِ من غيرِ أن يخوضوا أو يتعمقوا في بيانِ وجهِه، حتَّى أظهرَ النَّظَّامُ (تـ: 231هـ) مقولتَه بالصَّرْفَةِ، فثارَ العلماءُ لإنكارِ قولِه والردِّ عليه، ومنْ ثَمَّ تحديدُ الوجهِ أو أوجهِ الإعجازِ الصحيحةِ في القرآنِ الكريمِ.
وأولُ منْ قالَ: إنَّ إعجازَ القرآنِ الكريمِ كانَ بالصَّرْفَةِ هو: أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ سيارٍ النَّظَّامُ (تـ: 231هـ) أحدُ أئمةِ المعتزلةِ، وصارَ له مذهبٌ خاصٌّ يُنْسَبُ إليه، وقلدَه آخرونَ في هذه المقولةِ، وتشعبَ القولُ فيها إلى شعبتينِ:
1- القولُ الأولُ: للنَّظَّام وآخرين: أنَّ المرادَ بالصَّرْفَةِ أنَّ اللهَ صرفَ العربَ عنِ الاهتمامِ بمعارضةِ القرآنِ الكريمِ مع قدرتِهم عليها، ولو توجهوا إليها لقدرُوا على الإتيانِ بمثلِ هذا القرآنِ.
2- والقولُ الثاني: للمرتَضَىٰ منَ الرافضةِ، ومرادُه بالصَّرْفَةِ أنَّ اللهَ سلبَ العربَ العلومَ التي يحتاجون إليها للإتيانِ بمثلِ هذا القرآنِ، ولو توجهوا للإتيانِ بمثلِه لما استطاعوا؛ لسلبِهم هذه العلومَ.
والفرقُ بينَ رأيِ النَّظَّام وأتباعِه والمرتضى ومن معه: أنَّ النَّظَّامَ يرى أنَّ العربَ لو أرادوا الإتيانَ بمثلِه لاستطاعُوا، ولكنَّ همتَهم لم تتوجهْ لذلك، أمَّا المرتضى فيرى أنَّ العربَ لا يستطيعون الإتيانَ بمثلِه، ولو أرادوا ذلك؛ لأنَّهم لا يملكون العلومَ التي تمكنُهم من ذلك.
فالفرقُ بينهما أنَّ النَّظَّامَ يرى أنَّ العربَ يستطيعون لو أرادوا، والمرتضى يرى عدمَ استطاعتِهم، وكلا القولين غيرُ صحيحٍ.