حجم الخط:

[مقدار ما فسره الرسول من القرآن]ٍ

وقد اختلفَ العلماءُ في مقدارِ ما فسرَهُ الرسولُ منَ القرآنِ إلى قولينِ:

الأول: أنَّ الرسولَ بَيَّن لأصحابِهِ معانيَ القرآنِ، كما بينَ لهمْ ألفاظَهُ، وهذا قولُ ابنِ تيميةَ وغيرِهِ، حيثُ قال: (يجب أن يُعلم أنَّ النبي بَيَّن لأصحابِهِ معانيَ القرآنِ، كما بَيَّن لهم ألفاظَهُ، فقولُهُ تعالى: ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ يتناولُ هذَا وهذَا)[1].

واستدلُّوا بأدلةٍ، منها:

1- آيةُ النحلِ: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 44].

والبيانُ يتناولُ الألفاظَ والمعانيَ، وكما أنه بيَّن ألفاظَهُ كلَّها فقدْ بيَّنَ معانيَهُ كلَّها.

2- حديثُ أبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلمِي: «حدَّثنا الذين كانُوا يُقرئُوننا: أنهم كانُوا يستقرئونَ من النبيِّ ، فكانُوا إذا تعلمُوا عشرَ آياتٍ، لم يخلفُوهَا حتى يعملُوا بما فيهَا من العملِ، فتعلمْنَا القرآنَ والعملَ جميعًا»[2].

3- وحديثُ أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه: «كانَ الرجلُ إذا قرأ البقرةَ وآلَ عمرانَ، جَدَّ فينَا»[3].

ومَا وردَ أنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما أقامَ على حفظِ البقرةِ عدة سنينَ، قيل: ثمانِ سنينَ، ذكرَهُ مالكٌ[4].

قالوا: ولو كان المرادُ مجردَ الحفظِ لما احتاجَ إلا لزمنٍ يسيرٍ، فَدَلَّ هذا على أنَّ المرادَ فهمُ المعانِي.

4- وقالوا: إنَّ كلَّ كلامٍ المقصودُ منه فهمُ معانِيهِ، دونَ مجرَّدِ ألفاظه، فالقرآنُ أولى، والعادةُ تمنعُ أنْ يقرأَ قومٌ كتابًا في فَنٍّ منَ العلمِ كالطبِّ والحسابِ، ولا يستشرحوه، فكيفَ بكلامِ اللهِ تعالى الذي هو عصمتُهُم، وبه نجاتُهم وسعادتُهم وقيامُ دينِهم ودنياهُم[5]؟

الثاني: قالتْ طائفةٌ: إنَّ الرسولَ لم يُبيِّن لأصحابِهِ إلَّا القليلَ منْ معانِي الآياتِ.

واستدَلُّوا بأدلَّةٍ منْهَا[6]:

1- ما رُويَ عن عائشةَ رضي الله عنها أنَّها قالت: «لم يكنِ النبيُّ يفسرُ شيئًا من القرآنِ إلا آيًا بعددٍ، علَّمه إياه جبريلُ عليه السلام»[7].

2- قالُوا: إنَّ الله لم يأمرْ نبيَّه محمدًا بالنَّصِّ على المرادِ في الآياتِ كلِّها؛ لأجلِ أنْ يتفكرَ عبادُهُ في كتابِهِ، والعلمُ بالمرادِ فيما لم يُنَصَّ على معناه يُستنبَطُ بأماراتٍ ودلائلَ[8].

3- وقالُوا: لو بيَّنَ الرسولُ كُلَّ معانِي القرآنِ، لَـمَا كانَ لدعائِهِ لابنِ عباسٍ: «اللهمَّ فقِّهْهُ في الدينِ وعلِّمْه التأويلَ»[9] فائدةٌ؛ لأنَّ الناسَ على حَدٍّ سواء في تأويلِهِ، فكيفَ يخصُّ ابنَ عباسٍ بهذَا الدُّعاءِ[10]؟

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة