أَولاً: كلُّ عامٍ يبقى على عمومِهِ حتى يأتيَ ما يخصصُهُ:
بمعنَى أنَّ لفظَ الآيةِ الذي يحتملُ أكثرَ منْ معنًى -يُفَسَّرُ بكلِّ هذه المعاني، حتَّى يقومَ دليلٌ على تخصيصِ أحدِها دونَ الباقِي.
قال الطبريُّ رحمه الله: (غيرُ جائزٍ ادعاءُ خصوصٍ في آيةٍ عامٌّ ظاهرُها، إلَّا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها)[1].
وقد التزمَ رحمه الله هذه القاعدةَ في تفسيرِهِ، ففي تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾ [البلد: 3] قال: (والصوابُ من القولِ في ذلك ما قالَهُ الذين قالُوا: إنَّ اللهَ أقسمَ بكلِّ والدٍ وولدِهِ؛ لأنَّ اللهَ عَمَّ كلَّ والدٍ وما ولدَ، وغيرُ جائزٍ أنْ يخصَّ ذلك إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها من خبرٍ أو عقلٍ، ولا خبرَ بخصوصِ ذلكَ ولا برهانَ يجبُ التسليمُ له بخصوصِهِ، فهو على عمومِه كما عَمَّه)[2].
وفي تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ﴾ [العاديات: 2] قالَ الطبريُّ: (وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقال: إنَّ اللهَ تعالى ذكرُه أقسمَ بالمورياتِ التي تورِي النيرانَ قدحًا، فالخيلُ تورِي بحوافرِها، والناسُ يورونها بالزندِ، واللسانُ مثلًا يورِي بالمنطقِ، والرجالُ يورون بالمكرِ مثلًا، وكذلك الخيلُ تَهيجُ الحربَ بينَ أهلِها إذا التقتْ في الحربِ، ولم يضعِ اللهُ دلالةً على أنَّ المرادَ من ذلكَ بعضٌ دونَ بعضٍ، فكلُّ ما أورتِ النارُ قدحًا، فداخلةٌ فيما أقسمَ اللهُ به؛ لعمومِ ذلك بالظاهرِ)[3].
وقالَ في تفسيرِ ﴿ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ﴾ [العاديات: 3]: (وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه أقسمَ بالمغيراتِ صبحًا، ولم يخصصْ من ذلك مغيرةً دونَ مغيرةٍ، فكلُّ مغيرةٍ صبحًا فداخلةٌ فيما أقسمَ اللهُ به)[4].
وفي تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش: 4] قالَ: (والصوابُ منَ القولِ في ذلك أن يقالَ: إنَّ اللهَ تعالى ذكرُه أخبرَ أنه آمنَهم منْ خوفٍ، والعدوُّ مخوفٌ منه، والجذامُ مخوفٌ منه، ولم يخصصِ اللهُ الخبرَ عن أنه آمنَهم من العدوِّ دون الجذامِ، ولا من الجذامِ دون العدوِّ، بل عَمَّ الخبرَ بذلكَ، فالصوابُ أن يُعَمَّ كما عَمَّ جلَّ ثناؤه)[5].