حجم الخط:

الثالثُ: نسخُ التلاوةِ وبقاءُ الحكمِ:

وأنكرَ هذا النوعَ بعضُ العلماءِ، وأجازَه آخرون، ومنْ أمثلتِه حديثُ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه أنه قالَ: (إنا كنا نقرأُ سورةً نشبِّهُها في الطوالِ والشِّدَّةِ بسورةِ براءةٌ، فأُنسيتُها، غير أني قد حفظْتُ منها: (لو كانَ لابنِ آدمَ واديانِ منْ مالٍ لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأُ جوفَ ابنِ آدمَ إلا الترابُ)، وكنا نقرأُ سورةً كنا نشبِّهُها بإحدى المُسَبِّحاتِ فأُنسيتُها، غيرَ أني قد حفظْتُ منها: (يا أيُّها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون فتكتبُ شهادةً في أعناقِكم، فتُسألُونَ عنها يومَ القيامةِ)[1].

قالَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: «فلا أدري من القرآنِ هو أم لا»[2].

وقال أُبيُّ بنُ كعبٍ رضي الله عنه: «كنا نُرى هذا من القرآنِ حتى نزلَتْ: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ [التكاثر: 1]»[3].

ومن أمثلتِه: حديثُ عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه أنه خطبَ على منبرِ رسولِ اللهِ ، فقالَ: «إن اللهَ قد بعثَ محمدًا بالحقِّ، وأنزلَ عليه الكتابَ، فكان مما أنزلَ اللهُ عليه آيةُ الرَّجْمِ، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجمَ رسولُ اللهِ ورجمْنا بعدَه..»[4] الحديثَ.

وفي حديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ رضي الله عنه قالَ: سمعْتُ رسولَ اللهِ يقولُ: «الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا فارجموهما البتةَ».

فقالَ عمرُ: لما أُنْزِلَتْ هذه أتيتُ رسولَ اللهِ فقلْتُ: أكتبْنِيها[5].

وقد يُقالُ: إن الآيةَ والحكمَ المستفادَ منها متلازمان؛ لأنَّ الآيةَ دليلٌ على الحكمِ، فإذا نُسِخَتْ تلاوةُ الآيةِ دونَ حكمِها وقعَ الناسُ في لبسٍ.

ويجابُ عن ذلك بأنَّ التلازمَ بين الآيةِ وحكمِها مشروطٌ بانتفاءِ القرينةِ والدليلِ، أما إذا نصبَ الشارعُ دليلًا على نسخِ التلاوةِ وبقاءِ الحكمِ كما في رجمِ المحصنِ، فلا لبسَ ولا إشكالَ[6].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة